غزة- حسني نديم- يرقد الرضيع محمد الخطيب (50 يوما) على سرير داخل مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعدما فقد أمه وساقه في غارة إسرائيلية على خيمة عائلته في 25 مايو/ أيار الماضي.
وأصبح الرضيع مهددا بفقدان يده أيضا، بعد إصابته بجروح خطيرة في الغارة التي استهدفت خيمة عائلة والده.
وفي خيمة النزوح، يبدأ شقيقه آدم الخطيب، البالغ عامين ونصف، رحلة بحث يومية عن والدته كلما حلّ الليل.
"أريد ماما.. أريد ماما"، كلمات يرددها الطفل مرارا قبل النوم، بينما يحاول والده أحمد الخطيب تهدئته وإقناعه بأن أمه "ذهبت إلى الجنة"، لكن الطفل الصغير لا يفهم معنى الغياب الأبدي، ويواصل سؤاله اليومي: "أريد الذهاب إليها".
وتلخص معاناة الرضيع محمد وشقيقه آدم واحدة من قصص آلاف الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، بالتزامن مع إحياء العالم اليوم الدولي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان.
ويروي والد الطفل للأناضول تفاصيل اللحظات الأخيرة التي جمعت زوجته برضيعها، قائلا: "كنا في خيمة النزوح، وذهبت زوجتي إلى خيمة أهلي القريبة وهي تحمل محمد لترضعه هناك. فجأة أطلقت طائرة إسرائيلية صاروخين على الخيمة".
ويضيف: "ركضت نحو المكان، ولم أجد الخيمة. عندما وصلت رأيت زوجتي شهيدة وهي تحتضن طفلها. أخذت محمد من تحتها، وكان جسده يرتجف من شدة الإصابة، واكتشفت أن ساقه اليسرى بترت بالكامل".
ويتابع الأب بصوت يختلط فيه الحزن بالصدمة: "زوجتي كانت لا تزال في فترة التعافي بعد الولادة، ولم يمض على إنجابها سوى 50 يوما. فقدتها في لحظة، والآن أخشى أن أفقد يد ابني أيضا".
ويطالب الأب بإجلاء طفله للعلاج خارج قطاع غزة بشكل عاجل، قائلا: "كل يوم يخضع لعملية جديدة. الأطباء يقولون إن يده مهددة بالبتر. طفل عمره 50 يوما، كم عملية يمكن أن يتحمل؟"
ويضيف: "هذا الطفل سيكبر بلا أم، وقد يكبر بلا ساق، وربما بلا يد أيضا. ماذا سيبقى له من حياته؟"
وفي مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي، يقول مدير قسم الأطفال والولادة الطبيب أحمد الفرا، إن حالة الرضيع محمد تمثل "نموذجا مصغرا" لمعاناة أطفال غزة خلال الحرب.
وأضاف الفرا، للأناضول: "نتحدث عن طفل كان يمارس حقه الطبيعي في الرضاعة داخل حضن أمه، عندما استهدف القصف الخيمة التي كانت تؤويه".
وتابع: "استشهدت والدته فورا، وفقد ساقه اليسرى، فيما يخضع لسلسلة عمليات جراحية في محاولة لإنقاذ يده اليسرى".
وتساءل الفرا: "ما ذنب هذا الطفل أن يفتح عينيه على الحياة بلا أم وبلا ساق؟!"
وأشار مدير قسم الأطفال والولادة، إلى أن الأطفال دفعوا ثمنا باهظا خلال الحرب.
وأوضح أن عدد الأطفال الذين قتلوا بلغ نحو 22 ألف طفل، أي ما يقارب ثلث إجمالي الضحايا.
وأضاف أن آلاف الأطفال أصيبوا بجروح وإعاقات دائمة، فيما فقد عشرات الآلاف أحد والديهم أو كليهما، إلى جانب ما تعرضوا له من صدمات نفسية عميقة.
ولا تقتصر معاناة أطفال غزة على الإصابات وفقدان ذويهم، إذ يعيش مئات الآلاف منهم داخل خيام النزوح ومراكز الإيواء، بعد أن فقدوا منازلهم ومدارسهم وأماكن لعبهم.
وبحسب بيانات فلسطينية، قتلت إسرائيل أكثر من 21 ألف طفل منذ بدء الحرب، بينهم أكثر من 450 رضيعا، وأصابت ما يزيد على 44 ألف طفل، فيما توفي أكثر من 200 طفل بسبب الجوع وسوء التغذية والظروف المعيشية القاسية.
كما فقد نحو 58 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، بينما يواجه آلاف آخرون مستقبلا غامضا بين الإعاقات الجسدية والآثار النفسية العميقة.
وفي الوقت الذي يحيي فيه العالم يوما خصص للدفاع عن حقوق الأطفال وحمايتهم من ويلات الحروب، يستمر أطفال غزة في مواجهة واقع مختلف، تختلط فيه أصوات بكائهم بأصوات القصف، وتتحول فيه الطفولة إلى رحلة يومية من الفقدان والنجاة.