غزة-واثق نيوز-كتب: المهندس رائد عبد الفتاح مهنا - كلما توغلنا في التاريخ وابتعدنا عن السنوات المأساوية للحرب على قطاع غزة، كلما برزت أمامنا بشكل كامل المعاناة والمأساة، وأصبح من الواضح التكلفة الباهظة التي يتكبدها السكان، ليس فقط من حيث الخسائر المباشرة في الأرواح، بل من خلال التدمير الممنهج للقطاع الصحي والبنية التحتية، مما يمهد لكارثة إنسانية وصحية متعددة الأبعاد.
لقد أثبتت الحروب عبر التاريخ، ومنها الحرب العالمية الثانية كما سنرى، أنها تقترن دائماً مع تفشي الأوبئة والأمراض المعدية على نطاق واسع. وفي قطاع غزة، تجتمع كل العوامل المساهمة في تفاقم الوضع الوبائي، بشكل يفوق أي نموذج تاريخي سابق .
عوامل تفاقم الكارثة الوبائية ..
- الهجرة الجماعية والنزوح القسري: يدفع مئات الآلاف من السكان من مناطق القتال إلى مناطق غير صالحة للاستيطان، وتفتقر لأبسط مقومات الحياة من ماء وغذاء وصرف صحي. هذه المخيمات العشوائية هي بؤر مثالية لتفشي الأمراض.
- انتشار الزواحف وخاصة الجرذان التي تقرض الانسان والخيام،والحشرات الناقلة للأمراض: تغزو القوارض خيام النازحين المكتظة بشكل كبير، جاذبها تراكم النفايات وغياب أبسط شروط النظافة. تنتقل الفئران بين الخيام حاملة معها أمراضاً خطيرة كالتايفوس والطاعون وداء البريميات، لتضيف بعداً وبائياً مرعباً آخر إلى المأساة، حيث تلدغ الأطفال والكبار أثناء نومهم على الأرض، وتلوث ما تبقى من طعام وماء غير صالح للاستخدام.
- صعوبات دفن الموتى: في ظل القصف المستمر وصعوبة الوصول، تتحلل جثث البشر والحيوانات تحت الأنقاض أو في العراء، مما يلوث التربة والمياه الجوفية وينشر الأمراض.
- تدمير المنشآت العامة والصناعية: يؤدي قصف محطات معالجة مياه الصرف الصحي والمصانع إلى اختلاط مياه الشرب بمياه المجاري والمواد الكيميائية السامة، ناشراً الكوليرا والأمراض المعوية.
- انهيار المنظومة الصحية: تعرض المستشفيات للقصف والإغلاق، وتدهور الظروف المتعلقة بالتدابير الطبية والوقائية بشكل كارثي، مع نقص حاد في الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات الأساسية، حتى أصبح الأطباء يعملون في ظروف أقرب للطب الميداني في الحرب العالمية الثانية، ولكن بموارد أقل.
شواهد من التاريخ ..
لقد علمتنا شواهد التاريخ، كما حدث في الفترة 1941-1942 أثناء إجلاء المدنيين وانتقال القوات في الاتحاد السوفيتي، أن تجمع الحشود الكبيرة في أماكن غير مهيأة يؤدي إلى زيادة الأمراض المعدية بشكل هائل. وهو ما نراه يتكرر الآن في غزة بصورة أشد قسوة، حيث ازدادت حالات التهاب الكبد الوبائي، والتهابات الجهاز التنفسي الحادة، والإسهالات المائية والدموية، والأمراض الجلدية كالجرب، وسط تحذيرات من عودة أمراض كشلل الأطفال الذي تم القضاء عليه سابقاً.
وهنا يبرز وجه الشبه المرعب مع التاريخ: خلال الحرب العالمية الثانية، كان العدو يواجه خطر تفشي الأوبئة بين صفوفه أيضاً، مما دفع الجيوش لإنشاء أنظمة حواجز مضادة للأوبئة (كنقاط التفتيش الصحية، والتطعيم الإجباري، وقطارات التعقيم) لحماية قواتها.
في غزة، يتحول الحصار والمنع المتعمد لدخول الأدوية والوقود إلى عامل مضاعف للمأساة، حيث يترك السكان المدنيون يواجهون الموت جوعاً أو قصفاً أو مرضاً دون أي حاجز حماية.
دروس مستفادة والمقارنة مع الماضي ..
- الحجر الصحي والفحص: كان يتم عزل أي مجموعة يظهر فيها مرض، وهو إجراء أصبح مستحيلاً في غزة بسبب الاكتظاظ الرهيب والنزوح المتواصل.
- المركزية في العلاج: كان المبدأ الأهم هو علاج المصابين بالأوبئة في مستشفيات ميدانية متنقلة في موقع اكتشافهم، لعزلهم ومنع انتشار العدوى. أما في غزة، ومع تدمير المستشفيات والمراكز الصحية، يضطر المصابون للعلاج في المستشفيات الميدانية، والخيام بين النازحين، ناشرين العدوى للجميع بلا أي قدرة على العزل.
- التحصين واللقاحات: اعتمد الاتحاد السوفيتي على التحصين المناعي الإجباري للجيش. واليوم في غزة، ومع انهيار سلسلة التبريد بسبب انقطاع الكهرباء والوقود، تتعطل برامج التطعيم الروتينية للأطفال، مما يفتح الباب لعودة الأوبئة التي اختفت منذ عقود.
الخاتمة :
إن ما تعيشه غزة ليس مجرد كارثة إنسانية عابرة، بل هو نموذج مكتمل الأركان لكارثة وبائية تداخلت فيها كل عوامل الخطورة التي عرفها تاريخ الحروب: النزوح، تدمير البنية التحتية، انهيار القطاع الصحي، انتشار القوارض، ونقص كل شيء. الفرق الجوهري أن جيوش الماضي كانت تضطر لحماية المدنيين في مناطقها الخلفية لضمان سلامة جيوشها وأمنها القومي. أما سكان غزة، فيواجهون هذا المصير وحدهم، محاصرين بلا أي من أدوات الصحة العامة التي أبدعتها البشرية في أحلك أوقاتها، في مأساة تتكشف تكلفتها الباهظة يوماً بعد يوم.



