تل ابيب-وديع عواودة-تتصاعد الضجة داخل إسرائيل عقب استقالة/إقالة المدعية العسكرية العامة يفعات تومر يروشالمي على خلفية اعترافها بأنها كانت قد سرّبت بنفسها شريط فيديو حول عمليات تنكيل وتعذيب أسير من أسرى غزة في معسكر اعتقال “سديه تيمان” في النقب، قبل عام، وسط استمرار لتجاهل الفضيحة الجوهرية المتمثلة بتعذيب الأسرى، والانشغال بدلًا من ذلك بالناحية الإجرائية وتجاوزات المدعية العامة للقانون الإسرائيلي.
بعدما علّقت عملها وغادرت مكتبها، أعلنت المدعية العامة يروشالمي عن استقالتها، أمس السبت، في مذكرة رسمية اعترفت فيها بأنها هي التي قامت بتسريب الفيديو من أجل صد حملة المستوى السياسي عليها واتهامها بفبركة ملف تحقيق ضد جنود واتّهامهم بتعذيب لم يحصل فعليًا، وفقًا لمزاعمهم.
قبل ذلك، كانت يروشالمي قد نأت بنفسها عن التسريب، وبادرت إلى لجنة فحص داخلية وأبلغت المحكمة العليا بذلك، حتى اضطرت للاعتراف بأنها كذبت، وأنها هي التي قامت بالتسريب.
يشار إلى أنه في الخلفية كانت صحيفة “هآرتس” العبرية قد كشفت، قبل نحو عام، جرائم تعذيب وتنكيل بحق أسرى حرب من غزة داخل “سديه تيمان”، ونتيجة لذلك تم التحقيق في الوقائع المنشورة، وفتح ملف تحقيق، واعتقال عدد من جنود الاحتياط بشبهة التعذيب، ما دفع بعض وزراء ونواب اليمين مع أنصارهم من الرعاع إلى اقتحام المعسكر احتجاجًا على اعتقال الجنود.
ولاحقًا، وبعد تقديم لوائح اتهام ضد الجنود المتورطين بالفضيحة، تعرضت المدعية العسكرية العامة والجهاز القضائي الإسرائيلي لحملات تهويش وتحريض من قبل الحكومة وأنصارها، ممن نفوا وجود تعذيب واعتبروا لائحة الاتهام “فرية دمّ”.
ويتضح اليوم أنه، في محاولة لدحض مزاعم النفي، بادرت يروشالمي إلى تسريب فيديو قصير يظهر بعض أوجه التعذيب والتنكيل، فتورطت بالكذب ومحاولة التستر وخيانة الأمانة. واليوم الأحد، يبدأ وزير الأمن وقائد جيش الاحتلال التداول لتعيين مستشارة قضائية عسكرية بدلًا منها.
وكرّر كاتس، اليوم الأحد، اتهام يروشالمي بالافتراء، وتبعه وزير القضاء ليفين، الذي وجّه الاتهامات أيضًا للمستشارة القضائية للحكومة غالي بهراب–ميارة.
ثلاثة عصافير بحجر واحد ...
وتبدو حكومة الاحتلال في حملتها المتصاعدة على المدعية العسكرية أنها تهدف لتحقيق عدة أطماع بضربة واحدة: الانتقام من المستشارتين القضائيتين، على خلفية تناقض مصالح وسجالات سابقة بينهما، وصم وتلطيخ الجهاز القضائي المتهم بالتمتع بصلاحيات مفرطة على حساب صلاحيات السلطة التنفيذية والحكومة المنتخبة، ودفع الانقلاب القضائي قدمًا من جديد، وكذلك منع وردع التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية بغية مواصلتها في كل الأراضي الفلسطينية، رغم أن ذلك من شأنه تخفيف حدة الانتقادات الخارجية لإسرائيل والاستنكاف عن مقاضاتها دوليًا على أساس أن هناك تحقيقات داخلية مستقلة.
وعلى غرار الحلبة السياسية، ينشغل الإعلام العبري اليوم أيضًا بمسألة التسريب لا بقضية تعذيب الأسرى الفلسطينيين من غزة، التي شبّهتها صحيفة “هآرتس”، قبل عام، بمراكز الاعتقال النازية. واليوم الأحد، وبخلاف معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية، تدعو في افتتاحيتها إلى عدم الاكتفاء بالتحقيق مع المدعية العسكرية، بل بمتابعة ومحاكمة المتورطين بجرائم التعذيب.
الوثائق لا تكذب ...
على خلفية اتهام وزراء في حكومة الاحتلال للمدعية العسكرية بالكذب والتشهير بالجنود المعتدين، نشر موقع “واينت” العبري تقريرًا، اليوم، قال فيه إن لائحة الاتهام والوثائق الكاملة والسياق تُظهر أن المدعية العسكرية – التي تواجه حاليًا شبهات واتهامات خطيرة، بما في ذلك تقديم إفادة كاذبة إلى محكمة العدل العليا وتزوير تحقيق التسريب – لم تُنسب إليها في أي مرحلة “تزوير” الفيديو.
ووفقًا لهذا التقرير الصحافي، قررت يروشالمي نشر جزء من مواد التحقيق لوسائل الإعلام، بعد أن وُجهت إليها وإلى النيابة العامة، عقب اعتقال الجنود، اتهامات خطيرة بدعم “الإرهابيين” ونشر افتراء دموي عليهم.
ويتابع التقرير: “كان الهدف، على ما يبدو، إثبات صحة الشكوك ضد أفراد القوة 100، بل ووثّقها. وبعد ذلك، وبعد التقرير الطبي الذي قدمه الطبيب الذي عالج الإرهابي، لم يكن هناك خيار سوى فتح تحقيق. بهذه الطريقة، أملت المدعية العامة العسكرية الرئيسية صدّ الهجمات الموجهة ضدها وضد الهيئة التي ترأسها، بعد أن واجهت مثل هذه الهجمات من داخل الحكومة ومن كبار الوزراء”.
تعذيب وأضرار جسمانية فادحة ...
ووفقًا للتقرير، تظهر مقاطع من الفيديو المذكور تفتيشًا غير عادي ومطولًا وعنيفًا لأسير فلسطيني من غزة، والذي يُسحب فيه سرواله أيضًا، منوهًا إلى أنه طبقًا لمقاطع أخرى لم تُبث ولكنها مُضمّنة في مواد التحقيق، يمكن رؤية بقعة دم كبيرة تتكوّن تدريجيًا على بنطال الأسير الفلسطيني.
ووفقًا للائحة الاتهام المقدّمة ضد خمسة جنود احتياط، يمكن الاستنتاج بشكل قاطع من الفيديو أن اثنين من جنود الاحتياط ثبّتا الأسير من غزة على الحائط وهو واقف، ورفعا يديه المُكبّلتين وثبتاهما على الحائط، ووقف باقي المتهمين في مكان قريب. بعد ذلك مباشرة، عُثر على الأسير مُلقى على الأرض، يتحرك ويتلوى، بينما كان المتهمون يقفون حوله وأحيانًا ينحنون فوقه.
من هذه اللحظة، وعلى مدار حوالي 15 دقيقة، قام المتهمون بركل الأسير، والدوس عليه، والوقوف على جسده، ودفعه في جميع أنحاء جسده – بما في ذلك بأرجلهم؛ وسحبوه على الأرض، واستخدموا مسدس الصعق الكهربائي عليه – بما في ذلك في رأسه.
كما ذكرت لائحة الاتهام أنه أثناء قيام المعتقل بالأفعال المذكورة، طعنه أحد المتهمين في ردفيه بأداة حادة اخترقت قرب شرجه وتسببت في تمزق جدار المستقيم. ثم أمره أحد المتهمين بوضع العصابة التي كان يمسكها في فمه، وخلال أداء هذه الأفعال وبعدها، واصل المتهمون أفعالهم.
أكاذيب الوزراء...
وذكرت لائحة الاتهام أنه “طوال ما وُصف، كان الأسير يصرخ من الألم”، واقتاده اثنان من المتهمين إلى موقع داخل معسكر الاعتقال، وسحب أحدهما قميصه للأسفل بحيث غطى أردافه فوق سرواله فيما كان ينزف من أردافه بعد ذلك بوقت قصير.
وبعد حوالي ساعة من الاعتداء، قُدِّم تقرير يفيد بأن الأسير اشتكى من صعوبة في التنفس وصداع. وبعد بضع ساعات، لاحظ موظفو مركز الاحتجاز نزيفًا غزيرًا في بنطال الأسير، فتم استدعاء المسعفين إلى مركز الاحتجاز ونقلوه على وجه السرعة إلى عيادة المركز، حيث فحصه طبيب وأمر بنقله إلى المستشفى.
وأضافت النيابة العسكرية أن أعمال العنف الموصوفة من قِبل المتهمين تسببت في إصابات خطيرة في جسد الأسير، منها كسور في سبعة من ضلوعه، وثقب في رئته اليسرى، وتمزق في المستقيم، وإصابات في جسده ووجهه ما اضطره للخضوع لعدة عمليات جراحية.
ويوضح “واينت” أن اثنين من المتهمين ضابطا احتياط برتبة رائد ونقيب، والبقية ضباط احتياط أقل رتبة.
هذه ليست المرة الأولى التي ينشر فيها الوزراء معلومات مضللة حول هذه القضية. على سبيل المثال، ادعى الوزير بتسلئيل سموتريتش أن محققي الشرطة العسكرية أُرسلوا للتحقيق في “إرهابيي حماس من وحدة النخبة الذين ارتكبوا جرائم قتل واغتصاب داخل قطاع غزة”، وهو ما لم يحدث قط.
“لم يُطلق سراح هؤلاء من “سديه تيمان” إلى غزة، بل أُطلق سراح أسرى غزيين أُزيلت شكوك مشاركتهم فقط”.
وفي حديث للإذاعة العبرية الرسمية، دعا رئيس المعارضة، اليوم الأحد، إلى التحقيق في قضية المدعية العسكرية، دون إهمال تهم التعذيب الموجهة لجنود في “سديه تيمان”.



