الكابة : د .تهاني اللوزي
تُعدّ سياسة هدم المنازل في القدس الشرقية سياسةً ممنهجة يتّبعها الاحتلال الإسرائيلي، وهي جزء من منظومة تخطيطية وقانونية وأمنية تهدف إلى تهجير وتشريد الأسر الفلسطينية المقدسية والتلاعب بالتوزيع الديمغرافي في المدينة .
تزداد وتيرة هذه السياسة في فترات تصاعد الإجراءات الاحتلالية أو أثناء العمليات العسكرية والأمنية. وغالبًا ما يُعلن الاحتلال أن السبب في الهدم هو “غياب تصاريح البناء”، في حين أنّ بلدية الاحتلال لا تمنح تصاريح البناء للفلسطينيين، حيث ان النسبة صفرية . مقابل منح مئات التراخيص الاستيطانية للمستوطنين.
وهكذا تُستخدم المنظومة القانونية كأداة ضغط وحرمان من حقّ السكن، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وتعزيز الاستيطان الإسرائيلي.
أرقام وإحصاءات (2023–2025)
- 2023: هُدم نحو 353 منزلًا في القدس الشرقية، ما أدى إلى نزوح 697 شخصًا، بينهم 358 طفلًا.
- 2024: تم توثيق 385 عملية هدم مما أدى إلى نزوح 734 شخصاً
- 2025 (حتى منتصف العام): سجّلت محافظة القدس والأمم المتحدة 320 عملية هدم، نصف المتضررين تقريبًا من الأطفال، مع تدمير أكثر من 100 مبنى بالكامل.
ويُعدّ شهر آب/أغسطس الأعلى في معدلات الهدم، حيث سُجلت 118 عملية هدم منها 74 هدمًا ذاتيًا.
أكثر المناطق استهدافًا
سلوان (حيّ البستان وبطن الهوى) – راس العامود - الشيخ جراح – شعفاط – بيت حنينا – العيسوية – عناتا – حزما – وادي الجوز – الصوانة – الطور – جبل المكبر – مناطق شمال غرب القدس.
أنواع الهدم
- الهدم الذاتي: يجبر الاحتلال المواطن على هدم منزله بيده لتجنّب الغرامات الباهظة، وهو أكثر أنواع الهدم انتشارًا خلال العامين الأخيرين.
- الهدم الإداري: تنفّذه بلدية الاحتلال وجيشه بشكل مباشر.
- الهدم الجزئي: إزالة أجزاء مضافة من المبنى.
- الهدم لأسباب أمنية: يتم بدعوى “الردع الجماعي” أو “الضرورات العسكرية”.
القوانين والتشريعات الإسرائيلية المبرّرة للهدم
- قانون التخطيط والبناء: يعتبر أي بناء دون ترخيص مخالفًا للقانون، مع شبه استحالة منح تراخيص للفلسطينيين (نسبة تراخيص شبه صفرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة).
- قانون منع البناء غير المرخص: يفرض غرامات مالية وهدمًا للمباني المصنّفة “غير قانونية”.
- نظام التخطيط التقييدي: يقيّد بشدة منح تراخيص بناء للفلسطينيين.
- قوانين المناطق العسكرية: تمنح الجيش صلاحيات هدم المباني لأسباب “أمنية”.
- قانون أملاك الدولة: يُستخدم لتصنيف أراضٍ فلسطينية على أنها “ملك للدولة”.
- قانون تشجيع الاستيطان: يمنح تسهيلات استثنائية للمستوطنين لبناء مئات الوحدات الاستيطانية.
- قانون كامينتس (2017): شدّد العقوبات على البناء غير المرخص، وفرض غرامات تصل إلى 100,000 شيكل، كما وسّع صلاحيات البلديات لإصدار أوامر الهدم دون الرجوع إلى المحاكم.
أسباب الهدم الرئيسة
- البناء دون ترخيص (نسبة منح الرخص للفلسطينيين شبه صفرية).
- ادعاءات “الأمن والمصلحة العامة”.
- تنفيذ مشاريع استيطانية أو تطوير بنى تحتية تخدم المستوطنين.
- فرض عقوبات جماعية على الفلسطينيين في القدس.
ما يترتب على المواطن المقدسي قبل وأثناء وبعد الهدم
- قبل الهدم:
يدفع المواطن مئات الدولارات للحصول على رخصة بناء والاستعانة بمهندس، ثم يتفاجأ بقرار هدم المنزل.
يضطر إلى توكيل محامين لمحاولة تحويل القرار إلى “مخالفة بناء”، ويدفع أقساطًا شهرية قد تصل إلى 1000 دولار، قبل أن يُصدر الاحتلال في النهاية أمر الهدم.
- أثناء الهدم:
يُجبر المقدسي على هدم منزله بيده، فيُهدم معه الحلم والذكريات والسكينة.
كما يتحمّل أجرة الجرافات والمعدات، ويتعرض أحيانًا للضرب والإهانة، وغالبًا ما يتم تنفيذ الهدم فجرًا دون سابق إنذار.
- بعد الهدم:
يواجه المواطن غرامات جديدة تتعلق بإزالة الركام، وأوامر حبس إذا لم يدفع الغرامات المفروضة عليه.
أشكال المواجهة والصمود
- المواجهة القانونية: تقديم الطعون وطلبات التأجيل.
- إعادة البناء المؤقت: إقامة خيام أو مبانٍ بسيطة للحفاظ على الأرض.
- الدعم المجتمعي: تكافل العائلات وتقديم المساعدات المادية والمعنوية.
- المناصرة المحلية والدولية: التواصل مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية.
- التمسك بالأرض: الاستمرار في الحياة اليومية كفعل مقاومة وصمود.
الوضع الديمغرافي وخطورة المرحلة
يسعى الاحتلال إلى خفض نسبة الفلسطينيين في القدس إلى 13% فقط، بينما تبلغ نسبتهم الحالية نحو 27%.
تُخصص 13% فقط من مساحة القدس للبناء الفلسطيني، في حين خُصصت 35% للمستوطنات الإسرائيلية.
يواجه نحو 100,000 مقدسي خطر التهجير القسري بمعدل 14 عملية هدم شهريًا.
كما شملت عمليات الهدم مؤخرًا مبانٍ سكنية قديمة وعمارات مأهولة، مثل عمارة الشيخ عكرمة صبري في حيّ الصوانة التي تضم 17 أسرة مهددة بالتهجير.
وشهد العام الحالي هدمًا جماعيًا لـ 22 وحدة سكنية في يوم واحد، في مؤشر خطير على تحول الاحتلال من الهدم الفردي إلى الهدم الجماعي.
الآثار النفسية والاقتصادية والاجتماعية
- نفسيًا: اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق، الاكتئاب، وفقدان الشعور بالأمان، خاصة لدى النساء والأطفال.
- اقتصاديًا: خسائر مالية فادحة، فقدان مصدر الدخل، والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
- اجتماعيًا: تفكك الأسر، انقطاع الأطفال عن التعليم، وضعف المشاركة في الحياة المجتمعية.
دور المرأة المقدسية في مواجهة سياسة الهدم
المرأة المقدسية رمز الصمود والعزيمة
المرأة المقدسية ليست مجرد أم أو زوجة، بل هي حصن الصمود الأول في وجه سياسات الهدم والاقتلاع. تحمل وجع الوطن في قلبها، وتحوّل الركام إلى منبر للأمل والحياة.
رغم القهر والحرمان، تبقى شامخةً كقبة الصخرة، تحفظ البيت بالحكمة، والأبناء بالعزيمة، والهوية بالثبات. تعمل بصمت، وتقاوم بكرامة، وتزرع في أطفالها حبّ القدس كما تُزرع الزيتونة في الأرض.
هي رمز القوة والصبر والكرامة الفلسطينية، لا تنكسر رغم الألم، بل تُعيد بناء الحلم من تحت الرماد، لتقول للعالم: المرأة المقدسية وطن قائم بذاته، لا يُهز.
هي الداعمة
- رعاية الأسرة: الحفاظ على استقرارها النفسي والاجتماعي.
- المساهمة الاقتصادية: البحث عن بدائل للدخل بعد فقدان المنزل أو العمل.
- العمل الحقوقي والمجتمعي: توثيق الانتهاكات والمشاركة في الحملات الحقوقية.
- الرمز الوطني: تجسيد صورة الصمود والتشبث بالأرض والهوية.
- الدعم المعنوي: بثّ الأمل والتمسك بالبقاء والصمود داخل المدينة.
القوانين الدولية الداعمة لحق السكن ومنع هدم المنازل في القدس
يُعدّ حق السكن من الحقوق الأساسية للإنسان، وقد أكدت عليه العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية التي تُلزم دولة الاحتلال باحترامه، ولا سيّما في الأراضي المحتلة، ومن ضمنها مدينة القدس الشرقية.
ورغم ذلك، فإنّ إسرائيل تنتهك هذه القوانين عبر سياسات الهدم والتهجير القسري، التي تُعتبر خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني.
أهم القوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)
- المادة (25): تؤكد أن “لكل شخص حق في مستوى معيشي كافٍ يضمن له ولأسرته المأوى والغذاء والملبس والرعاية الصحية والرفاهية”.
- وبالتالي فإنّ هدم المنازل يُعد انتهاكًا مباشرًا لهذا الحق.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)
- المادة (11): تنص على حق كل إنسان في السكن اللائق، وتُلزم الدول باحترام هذا الحق وحمايته من أي تهديد أو إخلاء قسري.
- اتفاقية جنيف الرابعة (1949)
- المادة (53): تحظر على دولة الاحتلال “تدمير ممتلكات الأفراد إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي ذلك حتمًا”.
- وبذلك، تُعتبر عمليات الهدم التي تقوم بها إسرائيل جريمة حرب لأنها لا تستند إلى ضرورة عسكرية بل إلى أهداف سياسية وديمغرافية.
- قرار مجلس الأمن رقم (242) لعام 1967 و(478) لعام 1980
- يؤكدان عدم شرعية ضم القدس، ويدعوان إسرائيل إلى التراجع عن الإجراءات التي تغيّر وضع المدينة القانوني والديمغرافي.
- قرارات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان
- كرّرت الأمم المتحدة في تقاريرها أن سياسة الهدم تشكّل عقابًا جماعيًا محظورًا بموجب القانون الدولي.
- كما طالبت بوقف جميع عمليات الهدم، وبتعويض المتضررين وضمان حقهم في السكن الآمن.
- القانون الدولي العرفي
- يعتبر أن نقل السكان أو تهجيرهم القسري أو تدمير ممتلكاتهم في الأراضي المحتلة يشكل انتهاكًا جسيمًا يرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)
التوصيات
- إنشاء قاعدة بيانات محدثة توثق جميع عمليات الهدم والمناطق والفئات المتضررة.
- تعزيز الدعم القانوني للأسر المقدسية عبر محامين مختصين.
- تطوير برامج دعم نفسي للأطفال والنساء المتضررات.
- توسيع الشراكات مع المؤسسات الدولية لزيادة الضغط الحقوقي والسياسي.
- دعم المبادرات المحلية لإعادة البناء وتمويل مشاريع إسكان بديلة للأسر المتضررة.
أمام سياسة الهدم القاسية وما تخلّفه من فقدان وألم، لم تستسلم الأسر المقدسية، بل طوّرت أساليب متعددة للمواجهة والصمود.
فالعائلات تقاوم قانونيًا واجتماعيًا، والنساء يتحملن أعباء مضاعفة في رعاية الأسرة والحفاظ على تماسكها، والأطفال والشباب يحوّلون الألم إلى حافز للتمسك بالهوية والتعليم .
وهكذا يتحول الهدم من فعل تدمير إلى دافع لإعادة البناء وتعزيز الروح الجماعية التي تجعل المقدسيين أكثر تمسكًا ببيوتهم وأرضهم وعروبة مدينتهم.



