الكاتب : إياد أبو روك
ليس بمقدورنا اليوم إنكار الواقع المرير الذي يعيشه قطاع غزة ، واقع مثقل بالوجع يزداد سوءا يوما بعد يوم بينما تغيب النتائج الملموسة على الأرض تماما. كل ما نشهده ليس سوى خطط ووعود وبيانات سياسية جوفاء تتناقض في مضمونها وتلتقي في شيء واحد هو إدامة المعاناة .
لقد أصبح القطاع أشبه بساحة صراع مفتوحة بلا أفق تتحكم فيها الفوضى وينهشها العجز الإنساني والسياسي . بعد السابع من أكتوبر لم يتحقق أي إنجاز يمكن للفلسطيني أن يتكئ عليه أو يشعر من خلاله بالأمل بل على العكس باتت غزة أكثر هشاشة من أي وقت مضى تئن تحت وطأة إبادة جماعية وحصار خانق ودمار متواصل فيما يعيش سكانها بلا ماء ولا كهرباء ولا بيوت ولا أمان .. خيام ممزقة وأرواح متعبة وأحلام محطمة .
النتيجة الوحيدة التي يمكن أن تسجل بعد تلك الأحداث هي أننا أصبحنا تحت وصاية الآخرين ننتظر رحمتهم بينما إسرائيل تستمتع بإدارة هذا الخراب بكل ما فيه من ألم . نتنياهو الذي تظاهر بأنه تلقى ضربة قاسية في السابع من أكتوبر كان في الحقيقة أكثر سعادة من أي وقت مضى لأنه وجد الذريعة التي كان ينتظرها ذريعة الإبادة المشروعة فقد قدمت له حركة "حماس" مبررا جاهزا لمواصلة حربه بل منحته فرصة ذهبية ليثبت للعالم أن القوة المفرطة هي خياره الوحيد للبقاء .
إن ما حدث ليس هزيمة لإسرائيل بل كان في كثير من جوانبه انتصارا لمشروع نتنياهو القائم على تحويل غزة إلى مختبر للعقاب الجماعي. والواقع أن هذا المشروع لم يكن لينفذ لولا الغطاء الأمريكي الذي وفره ترامب ذلك الذي صور نفسه كصانع سلام بينما كان في الحقيقة مهندسا لخطة جهنمية تستهدف إنهاء القضية الفلسطينية من جذورها .
لقد أبدع نتنياهو وترامب في صياغة المشهد ووضعوا "حماس" في قفص محكم وجعلوا منها فريسة يلوحون بها أمام العالم على أنها الخطر الأكبر بينما هي في الواقع أصبحت الوسيلة الأنجح لإبقاء غزة محاصرة ومعزولة ومنهكة فكلما بقيت "حماس" في المشهد بقيت إسرائيل في مأمن وبقي مشروعها الاستيطاني قائما دون عوائق .
لكن من الإنصاف أن نقول إن الأزمة لا تتعلق فقط بإسرائيل أو بحماس بل تتعلق بنا جميعا كفلسطينيين . لقد تحولنا من قضية تحرر وطني إلى مسرح للتجارب السياسية والعسكرية والدينية ومن رمز للكرامة إلى رمز للموت والدمار . كثيرون من أبناء شعبنا بدافع الإيمان أو الحماسة أو الحلم ينجذبون إلى فكرة البطولة والمقاومة والشجاعة أو يرون في الدين خلاصا سياسيا أو يتشبثون بفكرة الشهادة كغاية نهائية. لكن الحقيقة المرة هي أن كل هذه العواطف مهما كانت نبيلة في أصلها لم تعد تخدم الشعب الفلسطيني في واقعه الحالي .
فالشعب في غزة اليوم لا يبحث عن بطولات ولا عن رموز جديدة للموت بل عن حياة كريمة . إنهم بشر مثل سائر البشر يريدون أن يعيشوا بأمان أن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس دون خوف وأن يناموا دون أن ينهار السقف فوق رؤوسهم ... هؤلاء الناس لا يريدون أن يكونوا أيقونات في نشرات الأخبار أو رموزا تعلق على الجدران بل يريدون ببساطة أن يعيشوا كبشر بكرامة ودفء وماء وغذاء .
وربما يرى البعض في المظاهرات العالمية المؤيدة لفلسطين نوعا من العزاء أو الانتصار الرمزي . نعم تلك المظاهرات تمثل تعبيرا صادقا عن الضمير الإنساني الحر ونحن كفلسطينيين نقدرها بعمق لكن في الحقيقة كل تلك الأصوات مهما علت لن تحمي طفلا فلسطينيا يباد الآن تحت الركام ولن تعيد الحياة إلى عائلة اختفت من سجلها المدني .. العالم يعبر ويتعاطف ويرفع الشعارات لكنه لا يغير الواقع .
من الخطأ أن نبقى أسرى لصورة الفلسطيني الرمز الذي يطلب منه أن يموت كي يشبع رغبة الآخرين في البطولة والتطهر الإنساني . هذه الحالة المأساوية لا يستطيع الفلسطيني وحده أن يتحملها إلى الأبد، لقد آن الأوان أن نتحرر من هذه الأدوار المفروضة علينا وأن نطالب بحياة تليق بنا كبشر لا كأيقونات تملأ نشرات الأخبار .
إن استمرار "حماس" في المشهد اليوم لا يصب في مصلحة غزة ولا في مصلحة فلسطين بل إن وجودها أصبح ذريعة لتمديد المعاناة وتثبيت الاحتلال وتجميد أي أفق سياسي حقيقي . وإذا كانت حماس ترى نفسها حركة مقاومة ذكية فعليها أن تدرك أن الذكاء في هذه المرحلة يعني الانسحاب من المشهد تماما كي لا تمنح نتنياهو مبررا جديدا لاستمرار جرائمه .
أما نتنياهو فهو يدرك أكثر من أي وقت مضى أن الفوضى في غزة هي مكسب استراتيجي له .. إنها الحجة التي يسوق بها نفسه أمام اليمين الإسرائيلي المتطرف ويقنع بها الغرب بأنه درعهم ضد الإرهاب . ومن هنا يمكن فهم لماذا لا يريد نهاية لهذا الصراع بل يريد أن يبقيه مشتعلا إلى أجل غير مسمى لتبقى إسرائيل القوة الوحيدة العاقلة في بحر من الدمار الذي صنعته بيديها .
وفي هذه المعادلة الجهنمية تتحول غزة من قضية إلى مسرح عبثي ومن وطن إلى جثة تجر على الشاشات . ما لم نواجه هذه الحقيقة المؤلمة بشجاعة سنبقى ندور في ذات الدائرة المغلقة .. موت ودمار وبطولات كلامية وواقع لا يتغير .
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج اليوم إلى شعارات جديدة أو بيانات نارية بل إلى رؤية جديدة للوجود ذاته .. رؤية تعترف بأن المقاومة لا تكون فقط بالسلاح بل أيضا بالبقاء بالحياة بالصمود المدني وبالإصرار على إعادة بناء الإنسان قبل الحجر .
التحرر الحقيقي لا يبدأ بإطلاق الرصاص بل بكسر فكرة الموت كقدر محتوم وعندما نكسر هذا القيد فقط حينها يمكن أن نبدأ الطريق نحو حرية حقيقية حرية تبنى على الوعي لا على الرماد .



