الكاتبة : آمال العرفي الرطروط
تتجه أنظار العالم إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث ستُعقد اليوم الاثنين ، قمة دولية بمشاركة نحو 25 قائداً و زعيماً عالمياً، لتوقيع الاتفاق على خطة لوقف الحرب ووضع آلية لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب .
القمة، التي يُشارك في رئاستها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تُطرح كفرصة لإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين، لكنها تُثير في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول غياب الصوت الفلسطيني، ومغزى أن يقرر العالم مصير غزة دون مشاركة فلسطينية فعالة وغياب أصحاب القضية.
وفق بيانات رسمية وتقارير من وكالات الأنباء الدولية، تضم القمة قادة من الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، تركيا، إيطاليا، إسبانيا، البحرين، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وممثلين عن البنك الدولي والأمم المتحدة. لكن اللافت أن إسرائيل وحركة "حماس" الطرفين الرئيسيين لن يحضرا الجلسات العلنية.
إسرائيل اكتفت بإرسال وفد فني يشارك في المشاورات الجانبية، بينما أعلنت "حماس" أنها ليست طرفاً في مراسم التوقيع، معتبرة أن "القرارات تُتخذ بعيداً عن الميدان".
هذا الغياب يُعمّق التساؤلات حول شرعية أي إتفاق يتمخض عن القمة، ويجعل منها مجرد قمة لإدارة الأزمة أكثر من كونها قمة لحلها.
التسريبات التي تم نشرها في وكالات صحفية عالمية تشير إلى أن القمة ستعلن وقفاً شاملاً لإطلاق النار خلال أيام، يتضمن إنسحاباً جزئياً للقوات الإسرائيلية من شمال القطاع وفتح المعابر الخمسة تحت رقابة مصرية دولية مشتركة ثم إطلاق برنامج عاجل لإعادة الإعمار بإشراف البنك الدولي والأمم المتحدة بالإضافة إلى تشكيل آلية مراقبة دولية لضمان الإلتزام بالإتفاق.
لكن هذه الخطوات، تُترجم عملياً إلى وصاية دولية على غزة، حيث تُدار ملفات الأمن والإعمار والمعابر من قبل لجان دولية، فيما يظل الدور الفلسطيني محدوداً في التنفيذ لا في القرار.
البيانات الرسمية للقمة تتحدث عن "إغاثة عاجلة ووقف المأساة الإنسانية"، وهذه الشعارات ليست سوى محاولة لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي.
ففي الوقت الذي يُقدم فيه الصراع على أنه أزمة إنسانية تتطلب مساعدات واقتراح خطط إنعاش اقتصادي تحت رقابة المانحين، فإنه يُهمش جذورها الحقيقية، وهي الإحتلال والإستيطان واللاجئين وحق تقرير المصير. أن تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إغاثي يعني إلغاء البعد الوطني والسيادي للقضية وإختصارها في صندوق مساعدات.
أن هذه القمة تُجسد تحولاً في فلسفة التعامل الدولي مع الصراع، من منطق الحل السياسي الشامل إلى منطق إدارة الأزمات. فبينما تتحدث العواصم الغربية عن وقف المعاناة، تتجاهل أن جذور المعاناة ذاتها هي الاحتلال المستمر وحرمان الفلسطينيين من السيادة والقرار. ليبدو الاتفاق وكأنه هدنة هشة قابلة للإنهيار مع أول خرق.
أما في الشارعين العربي والفلسطيني، تتزايد الانتقادات للقمة بوصفها ذروة لمسار التطبيع العربي الإسرائيلي وطمسا للبعد العربي للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. إذ أن غياب الحكومة والفصائل الفلسطينية عن التمثيل الفعلي يعكس إرادة عربية ودولية في إعادة صياغة المشهد الفلسطيني دون الفلسطينيين أنفسهم. فهذه القمة ربما ستوقف الحرب ولكن لن توقف سياسات إسرائيل وانتهاكاتها ضد الفلسطينيين سواء في غزة او الضفة الغربية.
قد يُعلن في شرم الشيخ نهاية حرب الإبادة، لكن الحرب السياسية على هوية غزة ومستقبلها ما تزال مفتوحة.
ووسط قاعات الفنادق الفخمة وخطب الزعماء، تبقى غزة بكل ما فيها من رماد ودمار رمزاً للثبات في وجه عالم أصغر منها.
فما أصغر هذا العالم المزيف، وما أكبرك يا غزة.



