الكاتب : مروان أميل طوباسي
اليوم ، ومع ان غزة ما زالت تشهد محرقة القرن ٢١ ، يعيد ترامب ونتنياهو اصحاب فكر التطهير العرقي إنتاج مشهد ينهي القضية الفلسطينية كقضية وطنية تحررية .
فرغم التأخر والانتظار والصمت والمغامرة واعاقة التوافقات الوطنية السابقة لاسباب نحن لسنا بصددها هنا بالمقال ، جاء المؤتمر الصحفي الأخير بين ترامب ونتنياهو ليكشف من بين بنود الخطة عن تشكيل ما سُمّي بـ"مجلس سلام غزة"، ومنحه صلاحية إعلان حكومة فلسطينية مستقلة للقطاع برئاسة ترامب ، بالتوازي مع إعطاء تفويض مطلق لمجرم الحرب نتنياهو باستخدام القوة ضد شعبنا المثقل بالجراح إذا رُفضت الخطة من اجل استمراره بتدمير غزة . إنها صيغة مفخخة لإطار سياسي يُصنع خارج الإرادة الوطنية ، يمنح شرعية بديلة مصطنعة، ويضع القوى الفلسطينية أمام خيار التسليم أو المواجهة بالقوة العسكرية من جهة ، والأستبعاد السياسي من جهة اخرى .
اليوم فإن الخطر مزدوج ، فمن جهة، تهميش منظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني وصاحبة الولاية السياسية والجغرافية ، وإعادة تعريف الشرعية الفلسطينية من الخارج عبر قوى مدعومة أمريكيا وإسرائيليا وربما من البعض الإقليمي الذي لم يتمسك يوما بقراراته ولم يتخذ موقفا جرئياً في مواجهة فكر الإستعمار فابقى نفسه ذليلا تابعا دون ادراك مصادر قوته امام ترامب . ومن جهة أخرى ، إعادة تدوير مشاريع "السلام الاقتصادي"، بما يعني فصل غزة عن عمقها الفلسطيني واستبدال القضية الوطنية بمقاربة إدارية–إنسانية بإشراف بلير مدمر العراق .
اليوم ، يجب أن ندرك أننا أمام مرحلة فلسطينية مفصلية جديدة ، حيث تحاول القوى الدولية والإقليمية التي شاركت بلقاء ترامب قبل ايام طي صفحة التاريخ الطويل للثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير كحركة تحرر وطني ، وشطب أي دور لحماس في إدارة غزة رغم البحث معها بمفاوضات عن دور جديد يتماشى مع الاشتراطات ، وكذلك تهميش السلطة الوطنية تحت شعار "تجديد" أو "إعادة تأهيل" ، والتي لم يكن بتقديري مطلوبا منها الاسراع في الترحيب بخطة ترامب بعد ان كانت قد مارست سياسات الانتظار .
ومن هنا، فإن المصلحة الوطنية لشعبنا تقتضي وحدة فلسطينية حقيقية لا تستثني احد بعد ضرورة وعي الجميع بأهميتها وبأهمية تنفيذ مقررات جلسات الحوار الوطني السابقة التي وقع عليها الجميع ، تبدأ فورا بوقف المفاوضات المنفردة مع الأمريكان من جانب حماس ، وبتشكيل حكومة توافق وطني أو إنقاذ وطني عريضة تقوم بالمهمة ، وتعزيز برنامج سياسي جامع في إطار منظمة التحرير التي تحتاج بقرار وطني مستقل الى التفعيل والتجديد والأستنهاض الديمقراطي يقطع الطريق على مشاريع الاحتواء والتطويع والتفتيت والتجزىة والتوسع الكولنيالي من خلال الأسراع في محاولات تنفيذ مشروع أسرائيل الكبرى وفق واقع الضم على الارض ، ويحول دون إعادة إنتاج السيطرة الخارجية على الشعب الفلسطيني .
صحيح ان الأولوية العاجلة اليوم هي الإنسان الفلسطيني في غزة ووقف المجزرة والمحرقة المستمرة ، والتخفيف من معاناة شعبنا الذي صمد وقدم التضحيات ورفض التهجير حتى في ظل التجويع .
إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون ذريعة لتقويض السيادة الوطنية أو إنشاء حكومة فلسطينية لغزة "مُفصلة على المقاس الامريكي الاسرائيلي". المطلوب اليوم هو تعزيز الوحدة الوطنية الواسعة ، إعادة الاعتبار لمفهوم ومبدأ القيادة الفلسطينية المستقلة والجامعة وفق التقاليد التاريخية لثورتنا المعاصرة وتراث الفدائيين ، ترشيد السلطة بشفافية عالية بعيدا عن اشكال الفساد الذي بات العالم يراه بامتعاض وتقديم ادوات وطنية مخلصة تُقربنا من الناس ولا تُبعدنا عنها لنستعيد مكانتنا المطلوبة لاستكمال التحرر ، وتمهد بشكل سريع للانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية بموازاة عقد اجتماع طارئ للمجلس الوطني أو المركزي لمنظمة التحرير بعضوية تبتعد عن مراكز النفوذ والمحاصصات وبمشاركة كافة الفصائل التي يجب ان تدرك المصلحة والمسؤوليات التاريخية ، من اجل مراجعة نقدية جادة لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية منذ اتفاق اوسلو ومن اجل الوصول بارادة سياسية لرؤية واضحة كفاحية عقلانية وديمقراطية عابرة للفصائلية ، تعزز دور الشباب والمرأة والمستقلين الوطنيين والمجتمع الاهلي والكفاءات المختصة ، حتى تبقى جذوة السردية الفلسطينية التاريخية وثوابتها حية ، وبما يمنع تكرار مأساة فاركيزا اليونانية بنسخة فلسطينية مأساوية .
وعلى حماس وكل فصائل المقاومة في غزة أن تدرك اليوم أن الانخراط في هذا المسار الوحدوي ليس خيارا أو ترفاً وان يبتعد الجميع عن النظر الى الامور من ناحية فية ضيقة ، بل بمسؤولية وواجب وطني تقتضيه مصلحة شعبنا وقضيتنا التحررية بما يتطلب التوقف عن المفاوضات المنفردة وفك الارتباط بالجهات الخارجية والتخلص من اشتراطات قد أعاقت سابقا مسار مضمون التحرر الوطني من الاحتلال الإستعماري والوحدة الوطنية التي وصفها القائد المناضل مروان البرغوثي بأنها قانون الانتصار ، حال شروط انتصار كافة حركات التحرر العالمية . اشتراطات كانت قد فُرضت علينا فقط مقابل وعود سرابية واهية لم تثمر عن شيئ ولم تقدم شيئا في مسار إنهاء الاحتلال .
كل ذلك اصبح اليوم ولو متأخرا لضرورات وجودية وطنية لتأكيد القرار الوطني المستقل وحماية حقوق شعبنا الفلسطيني من أي مشاريع خارجية تهدف إلى التفتيت أو الإخضاع او الاحتواء بمسميات مستحدثة باستغلال تأثير جهات خارجية على اطراف فلسطينية بعيدا عن حقوقنا غير القابلة للتصرف وبالمقدمة حق تقرير المصير والاستقلال الوطني وحل قضية اللاجئين منها وفق المقررات الأممية والقانون الدولي الذي انتهكته بوضوح خطة ترامب ، وضمان ألا تُترك الساحة للمغامرين والمطبعين والمُصنعين الدوليين ليعيدوا كتابة تاريخنا من جديد وفق مصالحهم .



