الكاتب : مروان إميل طوباسي
في لحظةٍ يشرعن فيها الأحتلال ، عبر الكنيست ، قانوناً فاشياً يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين ، تعود الذكرى الخمسون ليوم الأرض لتؤكد حقيقة لا يمكن طمسها ، بأن الأرض لا تُعدم ، وأن الانتماء إليها لا يُقهر .
يوم الأرض في الثلاثين من آذار ١٩٧٦ لم يكن حدثا عابراً ، بل لحظة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه بعد انطلاقة ثورتنا المعاصرة قبل ذلك التاريخ بعقدٍ من الزمن ، ورسّخت معادلة الصراع بأن "الأرض هي الهوية ".
يومها ، انتفض أبناء شعبنا في الداخل المحتل دفاعا عن أرضنا في مواجهة سياسات المصادرة والاقتلاع ، وكتبوا بدمهم معادلة البقاء ، مؤكدين أن الفلسطيني باقٍ رغم كل مشاريع التهميش والأسرلة ، عملا بما كتبه المناضل والروائي إميل حبيبي في كتابه "باقٍ في حيفا" .
اليوم ، وبعد خمسة عقود ، يأتي إحياء هذه الذكرى في سياق أكثر خطورة، حيث يتقدم المشروع الصهيوني نحو مرحلة أكثر تطرفاً ، قائمة على الضم والتهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة الغاشمة . لم تعد المسألة مجرد احتلال تقليدي ، بل مشروع أستعماري إحلالي يسعى إلى كسر الوجود الفلسطيني وإعادة تعريفه أو إلغائه بالكامل ومحاولة اعادة تشكيل المنطقة ، مستفيدا من الشراكة الأمريكية الإستراتيجية وصمتٍ يرقى إلى مستوى التواطؤ في بعض الأحيان من هنا أو هنالك .
وفي قلب هذا المسار ، يأتي تشريع إعدام الأسرى كترجمة فجة لجوهر هذا المشروع . فهو ليس مجرد قانون عقابي ، بل إعلان صريح عن تبني القتل كأداة سياسية ، وشرعنة الإرهاب على مستوى الدولة . إنه قرار دموي يعكس عقلية استعمارية مأزومة تُحطم ذاتها من داخلها ، تحاول عبر عنف الدولة المنظم كسر إرادة شعب يرفض الخضوع ، وأن انتماءه فوق أرضه ليس موضع تفاوض أو مساومة .
هذا التشريع ، الذي يتعارض مع القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة رغم ان دولة الأحتلال لا تعيرهما اي اهتمام ، يستهدف في جوهره الانتماء ذاته ، لا الفعل فقط .
فالأسرى هم جزء من حركة تحررنا الوطني ، هم مقاتلون من أجل الحرية ، كفلت لهم القوانين الدولية حق مقاومة الأحتلال ، لكن الأحتلال يسعى إلى تجريم هذا الحق ، وتحويل الضحية إلى متهم ، والمقاومة إلى جريمة .
وهنا تكمن المفارقة ، فكلما تصاعدت أدوات القمع والأضطهاد ، ازداد تمسك الفلسطيني بأرضه وبوعيه الجمعي . ذلك أن العلاقة مع الأرض ليست علاقة ولاء سياسية قابلة للتبدل ، بل علاقة وجودية متجذرة في التاريخ والوعي والذاكرة . فالولاء يمكن فرضه ، أما الإنتماء فلا يُفرض ولا يُقهر .
لقد أثبت شعبنا ، في كل أماكن وجوده ، أن الأرض ليست مجرد مساحة ، بل هي هوية وكرامة ومعنى . ولذلك ، فإن كل مشاريع الاقتلاع ستفشل أمام إرادة شعب يرى في أرضه قدره التاريخي وفي فلسطين وطناً لا يملك سواه .
غير أن مواجهة هذا المشروع لا يمكن أن تظل رهينة ردود الفعل او لغة الادانات ، بل تتطلب إعادة بناء استراتيجية وطنية موحدة لا تقتصر على اعلان الإضراب ، بل تعيد الإعتبار للنضال التحرري وفق استراتيجية وطنية واضحة المعالم من البرنامج والأدوات، وتستند إلى وحدة الشعب والأرض والقضية . كما تفرض ضرورة استعادة دور المؤسسات الوطنية ، وفي مقدمتها منظمة التحرير كمرجعية جامعة باعتبارها جبهة وطنية عريضة قادرة على تحويل الصمود إلى فعل سياسي مؤثر .
إن الذكرى الخمسين ليوم الأرض ليست مناسبة رمزية ، بل لحظة مواجهة شاملة ، تفرض إعادة تعريف أدوات النضال في مواجهة مشروع يستهدف الوجود ذاته . وفي ظل هذا التصعيد ، يصبح السؤال المطروح ليس فقط عن استمرار الجرائم ، بل عن غياب المساءلة الدولية ، وعجز العالم عن وقف إرهاب دولة تمارس القتل بلا رادع والقمع والتمييز والتطهير العرقي دون حدود .
ورغم ذلك ، تبقى الحقيقة الأوضح بان شعبنا هذا لن يُهزم . لأن من يرى في أرضه هويته ، لا يمكن اقتلاعه ولا بد له من الأنتصار على الحقد والكراهية وحروب الاحتلال .



