الكاتب : إياد ابو روك
في لحظة بدا فيها العالم كأنه غابة موحشة بسبب الأفعال لحكومة نتنياهو النازي الجديد حيث يتناوب فيها الصمت والخيانة والمصالح على طمس صوت العدالة ارتفع صوت الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ليذكرنا بان الضمير الانساني لم يمت بعد. واحقاقا للحق لم يكن خطابه مجرد كلمات عابرة تلقى على منصة الامم المتحدة بل كان أمل كبير للفلسطينيين وصرخة قلب انسان حمل وجع المظلومين وكأنه جزء من جسدهم ومعاناتهم والآمهم .
كان من السهل على بيترو ان يتحدث ببرود السياسة ان يكتفي بالعموميات والديبلوماسية الناعمة التي اعتادها قادة العالم لكنه اختار ان يقف في صف الحقيقة وان يتكلم بلسان الشعوب المنهكة اولئك الذين يسحقهم الجوع والحصار والاحتلال .كان حديثه يلامس الضمير الجمعي للبشرية لأنه لم ينطلق من حسابات القوة او التحالفات بل من انسانية لا تعرف الحدود .
تخيل الفلسطيني البسيط وهو يجلس امام شاشة صغيرة في غزة المظلمة يسمع ان رجلا بعيدا في بلد لا تربطه به اي روابط قومية او دينية يرفع صوته دفاعا عنه كم يكون وقع تلك الكلمات . انها اشبه بيد تمتد عبر الاف الكيلومترات لتربت على كتف طفل يبكي تحت الركام . بيترو لم يكن مجرد رئيس دولة بل كان في تلك اللحظة قريبا حقيقيا اقرب من كثيرين ممن يتحدثون العربية او يرفعون شعارات الاسلام والعروبة .
لقد بدا الفرق شاسعا بين من يبعد عنك قارة كاملة ثم يقترب منك بالروح والوجدان وبين من يشاركك اللغة والدين والهوية ثم يغرس خنجره في ظهرك. هنا يتجلى التناقض الصارخ ان الانسانية الحقيقية قد تأتيك من اقاصي الارض بينما الخيانة قد تسكن بيتك وتلبس ثيابك وتتكلم لسانك .
هذا الموقف لم يكن جديدا في تاريخ فلسطين، فقبل عقود خرج القائد الجنوب افريقي نيلسون مانديلا ليعلن ان حرية جنوب افريقيا لن تكتمل من دون حرية الفلسطينيين واليوم يأتي غوستافو بيترو ليجدد هذا الارث وليؤكد ان قضايا العدالة مترابطة وان المظلومين مهما اختلفت اوطانهم والوانهم فهم ابناء قضية واحدة .
في المقابل كم من مرة رأينا مسؤولين عربا يصافحون قادة الاحتلال ويعقدون معهم الاتفاقيات بينما دماء الفلسطينيين لم تجف؟ بعد كم مرة جلس هؤلاء على موائد التطبيع وكأنهم يحتفلون غير آبهين بصوت الامهات في المخيمات ولا بدموع الاطفال في المستشفيات . اي الم أشد على الفلسطيني من ان يرى من يشبهه في الشكل واللسان يبيع قضيته بينما من لا تربطه به اي صلة يرفع صوته دفاعا عنه .
لقد علمنا خطاب بيترو درسا جوهريا ان الضمير لا يقاس بالخرائط ولا بالجوازات ولا تحده القارات ولا المسافات . الضمير ان وجد يصرخ في وجه الظلم ولو جاء من اقصى الغرب وان غاب يخفت حتى لو كان في بيتك او في قلب عائلتك .
هناك انظمة اختارت الصمت لأنهم لا يريدون ان يخسروا مصالحهم مع القوى الكبرى وهناك شعوب دفعتهم انسانيتهم للخروج في الشوارع دفاعا عن غزة كما رأينا في النرويج ولندن وباريس ومدريد وروما . ملايين البشر الذين لا تربطهم بفلسطين اي صلة شخصية لكنهم وجدوا ان السكوت عن الابادة عار لا يمكن احتماله.
ان ما يجعل فلسطين قضية فريدة ومهمه هو انها ليست مجرد نزاع سياسي او صراع حدودي بل هي مرآة تكشف انسانية كل فرد وكل امة . من يقف مع فلسطين لا يدافع فقط عن شعب صغير محاصر بل يدافع عن جوهر العدالة نفسه ومن يتخلى عنها يتنازل عن انسانيته قبل ان يتنازل عن اي شيء آخر، فالمظلوم له الأحقية ان نقف بجانيه ونسانده مهما كانت قومتيه او حتى عرقه .
خطاب بيترو كان بمثابة احياء لهذه الحقيقة حين تحدث بدا وكأنه يخاطب الضمير العالمي مباشرة أنتم لا تستطيعون ان تدعو الحضارة وأنتم تصمتون امام دماء الاطفال ... انتم لا تستطيعون ان تتحدثوا عن الحرية وانتم تبررون حصار شعب بأكمله .
لكن وسط هذا النور الذي جاء من كولومبيا يبقى الجرح الفلسطيني مضاعفا حين يرى الخيانة من الداخل ان ترى من يفترض ان يكون سندك وهو يبتسم لقاتلك ان ترى من تربى على ذات الاغاني الوطنية وهو يبيعك في صفقات مشبوهة . ان ترى من يرفع شعارات الدين والقومية وهو يغلق ابواب الرحمة امامك انها خيانة لا توصف بالكلمات لانها لا تسلبك ارضك فقط بل تسلبك الامل في القربى ولذلك يبقى وقع كلمات بيترو اشد عمقا لانها تعيد اليك شيئا من الثقة بان العدالة لم تمت وان هناك من لا يزال يحمل ضميره حتى وان كان بعيدا الاف الاميال .
سيبقى خطاب غوستافو بيترو علامة فارقة في زمن يفيض بالصمت والخذلان سيبقى شاهدا على ان الانسانية يمكن ان تعبر القارات وان العدل لا يحتاج الى جواز سفر . سيذكر هذا الرجل في ذاكرة المظلومين لا لانه رئيس دولة كبرى بل لانه وقف في لحظة فارقة وقال ما عجز عنه كثيرون ان المظلوم يستحق ان يدافع عنه حتى لو كان بعيدا عنك ببحار وجبال وقارات .
وهكذا تظل فلسطين امتحانا يوميا للضمير العالمي . من اختار الصمت او التطبيع او التواطؤ فقد سقط في الامتحان . اما من تكلم من أقاصي الارض فسيذكر اسمه الى الابد في سجل الاحرار ومنقوش في الذاكرة بان الضمير الإنساني لا تحده حدود ولا تقيده قومية أو ديانة وحين يعلو صوت الحق من بعيد فإنه يذكرنا بأن العدالة قيمة كونية وأن الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من السلاح وأبقى من الجيوش .



