الكاتب : د.سعيد يقين
جاءت موجة الاعترافات الثالثة وخاصة الأوروبية منها في حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، بمثابة تحولا إستراتيجيا نتاجا طبيعيا لعدالة القضية الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطيني في ثنايا الصدوع الاحفوريه في تضاريس الوطن ولزمن ممتد لما يقترب من ثماني عقود أمام مشروع استعماري ، اتسم منذ البدايات بالاحلال والافناء برعاية انجليزية حصرية.
اللافت في موجة الاعترافات( الثالثة )في الدولة الفلسطينية هو الموقف البريطاني، فهي الدولة العظمى الوريثه للامبرطورية الاستعمارية ذات الخبرة الأعمق في فلسطين والمشرق العربي من بين الدول الأوروبية التي انضمت ( اخلاقيا ) لتأكيد حق الفلسطينيين ليس في الدولة المستقلة وإنما في الوجود الإنساني على الأرض أمام مشروع الاقتلاع والابادة.
بداهة: انه يمكن لاي مؤرخ محايد، أن يقرر أن المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين المتمثل في الدولة اليهودية بصيغة (هيرتزل ) أن يتحول إلى دولة بصيغة( بنغوريون) لولا الرعاية البريطانية المطلقة. وهنا يمكن التأكيد، أن المشروع الاستعماري البريطاني هو الذي خلق المقدمات الكبرى فكريا وسياسيا أمام المنظمة الصهيونية لإعلان الدولة اليهودية وترسيخها وتمكينها في أرض فلسطين.
جاء افتتاح أول قنصلية بريطانية(1838)في مدينة القدس في إطار الصراع الانجليزي/الفرنسي المحموم بعد حملة محمد علي باشا المدعوم من قبل فرنسا على فلسطين والمشرق العربي.كان التدخل البريطاني الى جانب الدولة العثمانية لتصفية نفوذ الوالي العثماني ( محمد علي ) من الان فصاعدا قد أباح لبريطانيا تدخلا مباشرا في النظام الاقتصادي والثقافي والديني في بلادنا، ولعل تأسيس صندوق اكتشاف فلسطين البريطاني(1865) قد فتح البلاد أمام ما هو معروف بالدراسات التوراتية التي التقطتها التشكيلات الصهيونية/المسيحية المبكرة في الدولة اليهودية المتخيلة مع مطلع العصر الحديدي 1200 عام قبل الميلاد.
تمثلت الرؤية الاستعمارية( الاستعلائية ) للرجل الأبيض في ذروتها في صدور وعد بلفور في ذروة الحرب العالمية الأولى إذ كانت الحركة الصهيونية قد بلغت 20 عاما على تاسيسها ،حيث شهدت هذه السنوات العشرين تبلورا ونضوجا للتحالف بين المشروعين الصهيوني والبريطاني.
تحت سلطة الانتداب البريطاني: ( 1917- 1948) تمكنت المنظمة الصهيونية من جهة والوكالة اليهودية كذراع مؤسسي للصهيونية من إرساء وترسيخ سلطة المهاجرين اليهود، من خلال صك الانتداب الذي تضمن بندا ساطعا صريحا في إنفاذ وعد بلفور، أي ان إدارة البلاد ذهبت مباشرة نحو انشاء الدولة اليهودية، فالوكالة اليهودية أصبحت مفوضة بشكل رسمي في بناء مؤسسات الدولة اليهودية بما فيها القوة العسكرية( ال/ هاجانا ) من جهة وتعظيم تدفق المهاجرين اليهود واستملاك الأرض المتاحة والممكنه بما فيها بما فيها (197الف) دونم من اراضي الدولة المشاع من نظام اراضي الدولة العثمانية التي هي ملكا حصريا للشعب الفلسطيني.
وفي سياق موجات الهجرة اليهودية التي حظيت بالرعاية والدعم البريطاني بلغ عدد السكان في فلسطين حوالي( 2مليون ) منهم أكثر من (550 الف )مهاجر يهودي، أي أكثر بقليل من ثلث السكان في فلسطين الانتدابية.
ويجب الانتباه في هذا السياق، أن حكومة الانتداب كانت قد أصدرت بضع مئات من القوانين واللوائح والاوامر العسكرية( أحكام الطوارئ والأحكام العرفية)، والقوانين المدنية الاقتصادية والتعليمية التمييزية الحرمانية، مما انهك البلاد وانتهك حرماتها وطبيعتها الاخلاقية والإنسانية بشكل لم يكن مسبوقا في تاريخها القديم والحديث.
جاءت الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 تعبيرا اخلاقيا/وطنيا شاملا للخلاص من هذه الحالة الاستعمارية التي دمرت البلاد وجعلتها مباحة للمشروع الصهيوني.
ادركت بريطانيا استحالة خضوع الشعب الفلسطيني ورضوخه وقبوله بالدولة اليهودية وسلطة الانتداب العسكرية،وهذا ما اثبتته لجان التحقيق المختلفه، فلجأت الى محاولة احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية بالاعلان عن تشكيل لجنة( بيل) للتحقيق في أسباب هذه الثورة، التي اوصت في إنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين، وهو ما جاء رسميا في صدور الكتاب الأبيض عن الحكومة البريطانية عام(1939) بتقسيم فلسطين، حيث اصبح مشروع التقسيم هو المشروع الدولي في قرار التقسيم رقم(181) بعد أن احالت بريطانيا موضوع فلسطين إلى الأمم المتحدة. ثم تركها البلاد في 15\5\1948 مباحة متاحة للوكالة اليهودية وجيش ال/ الهاجنا والعصابات الأخرى دون اية ترتيبات سياسية تحفظ الامن في فلسطين قبل رحيل قواتها من البلاد. فكانت الكارثة والنكبة بمثابة تحصيل حاصل للسياسات الاستعمارية على مدار العقود الثلاثة لهذا الانتداب، ليس كمخالفة صريحة للقيم الإنسانية وإنما لنظام عصبة الأمم اولا ولمنظومة قوانين الأمم المتحدة لاحقا. ويجب الانتباه أيضا أن بريطانيا وكذلك الدول الأوروبية الفاعلة قد تنكرت لكل القوانين الدولية بما فيها القرارات ( 181،والقرار 194)،،ثم تلا ذلك دعما مطلقا للتوسع واحتلال الجزء المتبقي من فلسطين عام 1967، والاستمرار في تبني الموقف الإسرائيلي في اعتبار الحركة الوطنية الفلسطينية حركة إرهابية.
نحن في الحقيقة نعتبر أن تداعي الدول الأوروبية للاعتراف في حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بما فيها بريطانيا وخاصة في اتون مذبحة غزه ان هو إلا قيمة اخلاقية لشعوب وقوى واحزاب هذه الدول واعتذارا حكوميا مبطنا لما لحق بنا من كوارث ومصائب يستعصي على عقل الانسان أن يفهمها.
آن الوقت كما قال الرئيس الفرنسي في كلمته أمام المؤتمر الدولي للانتصار للحق والعدل الانساني وانقاذ الشعب الفلسطيني من هذا الموت، إذ أن السقوط الاخلاقي للمجتمع الدولي في فلسطين سوف يعيد العالم الى شريعة الغاب.



