الكاتب : إياد أبو روك
اكتب هذه السطور كمن يعيد تركيب مشهد شاهده من وراء الستار. لا ارى السابع من اكتوبر بوصفه انفجارا عارضا في مسار متوتر اراه نهاية سيناريو بدأ قبل ذلك بعام كامل على الاقل خطط له بدم بارد واستدرجت اليه الاطراف خطوة خطوة حتى بدت اللحظة الفاجعة ساعة وقوعها كأنها الصدفة ذاتها. لكن الصدفة لا تحكم قبضتها بهذه الدقة ولا تهيئ المسرح بهذه العناية ولا تخرج المشهد بهذه الكثافة من الرموز والنتائج.
في تقديري جوهر الحكاية يبدأ من الحدود. تلك الحدود التي لطالما قدمت لنا على انها الاكثر تحصينا في المنطقة. سياج مزدوج اجهزة استشعار حساسة رادارات وكاميرات نهارية وحرارية ابراج مراقبة تتناوب عليها عيون مدربة وطائرات مسيرة لا تكف عن الدوران. في الاحوال العادية لا يقترب طيف من الاسلاك الا وتلتقطه العدسات ولا يختل حجر في بقعة رملية الا وتستجيب غرفة عمليات. فكيف انهارت المنظومة كلها في ساعات الفجر الاولى؟ كيف انفتح الباب الذي قيل انه لا ينفتح؟ كيف عبر الالاف لا افرادا متسللين ولا مجموعات متناثرة بل ارتالا تعرف طريقها وتوقيتها واهدافها؟ هنا تحديدا تتكسر رواية المفاجأة على صخرة الواقع التقني. ويظهر من ثنايا الصمت معنى الترتيب من الداخل.
اعتقد ان الخيط الاول لهذا الترتيب كان عميلا مزدوجا مدرب على يد الموساد الإسرائيلي تم به الدفع ليقدم نفسه لحماس قبل عام من اليوم المشهود بصفته صاحب منصب حساس على الحدود. وهو على خلاف بقادته الذين يتعاملون معه معامله غير لائقة لكونه ليس إسرائيليا خالصا ولم يحظ بالتقدير الكبير او بالترقية التي يستحقها. تحدث بلغة الداخل الامني عرض خرائط وثغرات واعطى اجابات تشبه ما يتوق السامع لسماعه: هنالك نقاط ضعف هنالك فترات شلل هنالك مسارات بديلة لا تراها الرادارات. لم يكن يسرب معلومات وحسب؛ كان يزرع يقينا ويصنع ايقاعا ويدفع نحو قرار يريده خصومه اكثر مما تريده الحركة نفسها. هكذا تنمو الثقة: تلقى التفاصيل الصغيرة بانتظام تختبر في الميدان فتبدو صادقة يتزامن التصديق مع حاجة نفسية الى لحظة نصر تاريخي تتمناها حماس بشغف واستعداد تام لها لطالما ان الأجواء متهيئه فيتماهى الحساب البارد مع الحلم الساخن ويستوي الطريق.. وعلى الجانب الاخر كانت شبكة الموساد تعد الخطة التي سوف توقع بها فريستها لتحقق حلم إسرائيل الكبير والدولة الصهيونية العميقة !!.
وما كان للطريق ان يكتمل من غير مشهد جماهيري يثبت السردية ويمنحها قوة الدليل المرئي. لهذا بدت لي الحفلة الموسيقية قرب الحدود قطعة اساسية في المسرح لا خلفية بريئة. ان يبدأ الاحتفال عند الواحدة ليلا وان يمتد حتى الخامسة صباحا وان يتجمع مئات الشباب والطلاب من جنسيات شتى على مسافة الالف الأمتار من غزة وتحديدا يستمر الحفل الي الساعة الخامسة صباحا وهم في حاله مخمورة ولم يغادروا باكرا. كل ذلك يصعب تسويغه عسكريا في منطقة تعد بالغة الحساسية. اي جهاز أمنى يوافق على مثل هذا التوقيت وذلك المكان؟ واي صدفة تجمع هذا العدد من الاجانب في ليلة ستصبح بعد ساعات عنوانا للدم عبر شاشات العالم؟ حين تحول الحفل الى مائدة موت لم يعد المشهد مجزرة ضد مستوطنين فحسب صار جريمة ضد الانسانية بضحايا من خارطة واسعة. عندها اكتمل الشرط الدعائي: صورة دامية عابرة للحدود واللغات تتيح لإسرائيل ان تلبس حربها رداء الحق الكوني بالدفاع وتستدعي تعاطفا لم تعرفه منذ زمن.
هنا تتضح لي بنية الخطة على مستويين الاول تقني عملي يضمن العبور والثاني رمزي دعائي يضمن الشرعية اللاحقة. على المستوى الأول لا تكفي الثغرة كي تعبر الاقدام يلزم ايهام الخصم بان الثغرة نافذة الى التحول وان الذراع التي تحرسها اصيبت بالخدر. وعلى المستوى الثاني لا تكفي صور الاشتباك العسكري. يلزم حدث يدوي اخلاقيا واعلاميا يرفع سقف الصدمة في العواصم البعيدة. اننا لا نتحدث عن اختراق عسكري منفصل عن المسرح السياسي بل عن خيطين متداخلين: يفتح أحدهما الباب ويؤثث الاخر القاعة.
ثم ان تفاصيل ما بعد السابع من اكتوبر لا تقل دلالة عن مقدماته. كيف ظهرت بهذه السرعة معرفة دقيقة بمواقع قادة بارزين كيحيى السنوار وابو عبيدة وغيرهما من قادة الصف الأول في حماس وصولا الى إسماعيل هنية في اعقد منطقة في العالم وهي ايران وامتدادها الى قطر؟ كيف أمكن رصد بعض الاسرى المحررين؟ كيف سميت اماكن بعينها للاجتماعات السياسية في الخارج وكأن الذهن المراقب حاضرا في الغرفة؟ وكيف ظلت بقع بعينها مثل دير البلح والمناطق الوسطي بمنأى نسبي عن مستويات قصف شهدتها مناطق أخرى في غزة بينما ترددت مقولات عن وجود أسري فيها؟ قد يقال ان التفوق التقني يفسر كل ذلك لكن التفوق التقني الذي لم ير الاستعدادات العامة قبل يوم الانفجار عاد فجأة بصيرا بمواضع الحضور والغياب على حد سواء. تفسير كهذا لا يصمد في المنطق الا بإدخال عنصر ثالث: عين من الداخل لا تسجل ما يجري فحسب بل تشارك في هندسته.
لهذا ارى ان العميل المزدوج لم يكتب دوره للمشهد الاول فقط. لقد صمم كي يعيش داخل السردية الى ما بعدها. جزء من خطته كما اتخيلها ان يؤسر بين الاسرى الاسرائيليين المنقولين الى غزة ليظهر في وعي الطرف المقابل بصفته ضحية وبطلا في آن واحد. الاسر هنا ليس نهاية الوظيفة بل امتدادها: شهادة ثقة تمنح لمن عاش التجربة ذاتها ومقام نصح يستمع اليه من موقع المشاركة. ان اشد اشكال التخفي فعالية ان تكون حاضرا في قلب الحدث على هيئة ضحية. الضحية في اللحظات القلقة تعامل كمصدر اصيل والعارف الذي ذاق لا كصوت خارجي يحسن التنظير. من هذا الموقع تحديدا يمكن دفع القرارات نحو مخارج مسدودة او انتصارات ناقصة او رهانات تتكرر حتى الاستنزاف.
اعود الى الحدود التي بدأت منها. لا اظن منظومة بهذه الصرامة تقع كلها دفعة واحدة بغير تدبير يسبقها. ليس في تاريخ السيطرة الامنية مثال واحد على انهيار شامل دون اشارات حمراء مسبقة ودون سجلات الكترونية او بشرية تحذر ودون تحركات موازية ترسل رائحة الخطر. فإذا انعدمت الاشارات في السرد الرسمي او انزاحت الى خانة سوء التقدير الجمعي فان ذلك في أحسن الاحوال اعتراف بان منظومة كاملة قررت ان لا ترى. ومنظومة تقرر ان لا ترى انما تفعل ذلك لأنها تريد ان ترى لاحقا ما هو أعظم: مبررا كاسحا يبيح لها ما لا يبيحه الروتين السياسي في الايام العادية.
وما كان للمبرر ان يبلغ ذروة تأثيره لولا اكتمال صورة المأساة العابرة للحدود. وجود اجانب في قلب المشهد فتح الباب لخطاب يحيل الى 11 سبتمبر والى مفردات الكارثة العالمية. صار الانقضاض على غزة محمولا على لغة اخلاقية كثيفة الدفاع عن الانسان لا عن الدولة حماية نظام العالم لا حدود اسرائيل وحدها. هكذا تصنع الشرعية في زمن الصورة تلتقط اللحظة الاكثر ايذاء للحس العام وترفع الى مقام الحجة التي تخرس الاعتراضات ثم يترك للألة العسكرية ان تكمل بقية الجملة.
قد يقول قائل: لكن كيف تسلحت حماس بهذا العدد الهائل من المقاتلين خمسة الاف او سبعة الاف وكيف ادارت خطة محكمة دون ان تسمع اسرائيل همسا؟ اجابتي ان الصمت لم يكن صمتا بل احلالا مقصودا لطمأنينة مصنوعة. حين تدفع قيادة ما الى الاعتقاد بان خصمها غافل او مشلول تصبح اشارات التحضير جزءا من صوت الخلفية لا من اجراس الانذار. وما دامت عين الداخل تضمن ان الاندفاع يتجه الى الموضع المراد فان بضع علامات لوجستية لن تغير شيئا في المآل. لقد صيغت اللعبة بحيث يثور الغبار في الاتجاه المطلوب ثم تفتح نقاط العبور في اللحظة المناسبة ثم ترفع الكاميرا الى اعلى لتلتقط المذبحة المساندة للحكاية ثم ينغلق الباب.
كل تفصيلة لاحقة تعزز هذا المعنى. المعرفة الدقيقة بمكان اجتماع القيادة في الخارج. التتبع اللصيق لأسماء بعينها. الخرائط التي بدت كأن احدا يحدثها من داخلها. المناطق التي ضربت حتى الحطام واخرى تركت اقل تدميرا في مراحل بعينها كان وظيفة ما لم تنته بعد. حين تقرأ هذه الشواهد معا لا تبدو لي كخرز مبعثر في عقد الصدفة تبدو كنقاط مضيئة على مسار جرى رسمه مسبقا.
لا انفي بالطبع ان في الحروب زوايا عمياء وفجوات حقيقية واخفاقات صادقة. لكن الفارق بين الفوضى الطبيعية والتصميم المحكم ان الاولى تترك اثرها الفوري على قرار الفاعلين بينما الثانية تتجلى في تكرار الصدف المناسبة في اللحظات الحرجة. في السابع من اكتوبر وما تلاه تكررت الصدف المناسبة اكثر مما يطيقه العقل. من انفتاح الحدود بهذا الاتساع الى توقيت الحفل ومكانه الى طبيعة الضحايا الى سرعة تبلور المبرر الى خرائط المعرفة اللاحقة. كل ذلك يحيلني الى فرضية واحدة: ان الخطة لم تبدأ يوم الهجوم بل قبل عام منه وان العميل المزدوج ليس عارضا في النص بل لازمة الايقاع التي تمسك باللحن من اوله الى اخره.
اكتب هذا وانا اعلم ان كثيرين سيطلبون الدليل المكتوب الذي يفضل على قراءة تحليلية من هذا النوع. لكن فن الخطة المحكمة ان لا تترك وراءها ورقا يدين صانعها وان تجزأ ادوارها بحيث يبدو كل جزء مفهوما بمعزل عن الكل. الدليل في هذه الحالات ليس ورقة وحيدة تحمل الاعتراف بل توافق القرائن حين توضع جنبا الى جنب واتساق النتائج مع مقدماتها حين تقرأ بعين لا تنخدع بالواجهة. وما الواجهة في هذه الحكاية الا كلمة المفاجأة التي اريد لها ان تسكت السؤال.
لهذا امسك بالخيط الذي بدأت منه ولا افلته: هنالك عميل مزدوج في تقديري ما يزال حاضرا يجلس مع من يظنونه منهم يقدم المشورة يلون الخرائط ويهمس بالرأي حين تحتدم النقاشات. قوته لا تأتي من موهبته في التخفي فقط بل من مكانه الجديد الضحية التي نجت الاسير الذي عاد الرفيق الذي اقتسم الخطر. من هذه المواقع تبنى الثقة بلا مساءلة وتمرر الافكار الثقيلة على انها خبرة ناج لا مكيدة خصم. واذا كان من خاتمة تكتب لصورة بهذا التركيب فهي ان التاريخ الذي يتأخر احيانا لا يتخلف دائما: سيسمي الاسماء يوما ما وسيضع كل حجر في مكانه وسنعرف على برد اليقين ان ما بدا انهيارا استخباريا كان في جوهره مسرحا محكما اريد له ان يمنح اسرائيل المبرر الذي طال انتظاره للانقضاض على غزة ومابعد غزة لتحقيق الحلم الكبير مع المبرر الذي تتغني به إسرائيل مرارا وتكرارا انها تعيش وسط دول تريد سحقها وتدميرها !! .
حتى ذلك اليوم سيبقى هذا النص شهادة رأي وتحليل وتأمل في مشهد لم تكتب فصوله كلها بعد. لكنني مهما تبدلت العناوين لن اتخلى عن الفكرة التي صاغت لي هذا الفهم: ان السابع من اكتوبر لم يقع لان الابواب أخطأت. وقع لان احدا قبل عام قرر اي باب سيفتح ولمن ترفع الستارة وكيف سيجلس الجمهور في القاعة واين سترتفع الصيحات حين تنقلب المأساة الى حجة والحجة الى حرب لا تريد ان تنتهي وسوف تمتد وتمتد وتمتد .



