الكاتب : أحمد دخيل
رحل الكاتب والإعلامي الفلسطيني زياد الجيوسي في عمّان، صباح الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2025، تاركًا خلفه فراغًا يصعب ملؤه.
كان أكثر من قلم، أكثر من كاتب مقالات، كان ذاكرة فلسطينية تسير على قدميها بين المدن والقرى، تحمل الوطن في كلماتها، وتعيد رسمه في صور يومية وتفاصيل صغيرة.
في رحيله، يبقى السؤال الأزلي: ما الذي يبقى من الإنسان حين يغادر الحياة؟ في حالة زياد كما كل المبدعين، يبدو أن الابداع وحده هو الذي ينتصر على الفناء.
عرفناه في عموده "صباحكم أجمل"، حيث كان يطل على القرّاء بكتابة لا تفصل بين النقد والحياة اليومية، بين التراث والحاضر، بين الحنين والفكر. كان يكتب وكأنه يزرع وردة في صحراء، يترك للقارئ فسحة تأمل وسط ضجيج السياسة والأخبار العاجلة.
وفي كتبه، مثل "فضاءات قزح" و"أحلام فوق الغيم" و"ذاكرة القدس في الفن التشكيلي الفلسطيني"، قدّم نصوصًا لا تُقرأ كتحليل بارد، بل كمساءلة للذاكرة والهوية: كيف نصون وجودنا؟ كيف نحول الفن إلى جدار يحمي القدس من الطمس المتعمّد؟
بالنسبة لي، لم تكن نصوصه مقالات عابرة، بل طقوس فكرية. أتذكر مقاله "بين ألق طمون وربيع عاطوف"، حيث لم يكن يصف جمال الطبيعة فحسب، بل يعيد صياغة العلاقة العميقة للفلسطيني بأرضه: علاقة عشق وألم وحراسة. وفي دراسته عن الفن التشكيلي في القدس، شعرت أنه يكتب شهادة، أكثر من كونه نقدًا، وكأن كل لوحة هي وصية لطرد النسيان. نصوصه كانت دائمًا جسورًا بين الذات والوطن، بين الحنين والحرية، بين الفرد والمجتمع.
وقد أدركت المؤسسات الثقافية هذا الدور. كرّمته بلدية عنبتا في أيار 2013 بدرع تقديري، ومنحه مثقفو العمق الفلسطيني درعًا عن جهوده الثقافية. واحتفت وزارة الثقافة الفلسطينية بمسيرته وشهاداته، وأقيمت له احتفالات في مركز محمود درويش بجنين وبلدية رام الله، كما كرّمته جمعيات ومكتبات ومدارس ونوادي ثقافية في نابلس وكفر زيباد وعزون وكور. كل هذه الجوائز لم تكن مجرد أوسمة، بل كانت اعترافًا بأن الرجل حمل فلسطين في كلماته وصوره كما يحملها المقاوم في قلبه.
رحل زياد الجيوسي في صباح الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2025، لكن إرثه الثقافي والفكري سيظل شاهدًا على أن الكلمة مقاومة، وأن الثقافة الفلسطينية باقية كجذر زيتون لا يشيخ، وكأغنية لا تنطفئ، وكوطن يحيا في ذاكرة كل من عشق فلسطين وكتب عنها وعاشها.



