الكاتب : أحمد دخيل
القدس لا تُرى فقط بالحجارة والطرقات، بل بنبض شبابها. انعقاد المؤتمر الثالث للشبيبة الفتحاوية في العشر الأخير من آب 2025، بحضور قيادة الحركة، ليس إجراءً تنظيمياً عابراً، بل فعل سياسي وثقافي وروحي في آن واحد. فالعاصمة التي تتعرض لمحاولات الطمس والاحتواء تحتاج إلى كتف فتية تحملها، وتعيد إليها إيقاع الحياة.
بينما تُطرح مبادرات شبابية مدعومة من بلدية الاحتلال لتفريغ المدينة من معناها، يجيء المؤتمر كرسالة واضحة: القدس لم تُترك وحدها، والمستقبل ما زال في أيدي جيلٍ يعرف أن الثورة تُبنى على الجرأة، لا على الشيخوخة.
منذ انطلاقة الثورة، كان الشباب عمودها الفقري. عرفات والوزير وصلاح خلف لم يبدؤوا رموزاً، بل شباناً في مقتبل العمر، تحوّل فعلهم إلى ذاكرة وطنية ذات صدى عالمي. تلك التجارب لم تكن مجرّد تاريخ، بل درس للأجيال: أن تحويل الحلم إلى فعل يحتاج إلى عزيمة لا تعرف التردد.
ومن بين هذا السجل برزت وجوه شكّلت ضمير الشباب الفلسطيني: أبو علي شاهين، الذي أسس الشبيبة الفتحاوية وحوّلها إلى مدرسة للعمل الطلابي والاجتماعي، رغم السجن والإقامة الجبرية. مروان البرغوثي، رمز الانتفاضة الثانية. فيصل الحسيني، الذي نذر شبابه للقدس حارساً لهويتها السياسية والروحية. هذه السير ليست تماثيل جامدة، بل إشارات طريق.
اليوم، غالبية الشهداء والأسرى والفاعلين في الانتفاضتين كانوا طلاباً. لذلك لا يبدو المؤتمر مجرد اجتماع تنظيمي، بل تجديد لعقد اجتماعي بين الأجيال، واستعادة لذاكرة جماعية تحوّل الرمزي إلى عملي.
إقامة المؤتمر في القدس تمنحه معنى مضاعفاً. فالمدينة ليست مجرد مكان، بل حضور حيّ، وأي نشاط فيها يكتسب بعد اختراق لزمن الاحتلال، كصلاة هادئة تقول: هذه الهوية لا تُمحى.
لكن التحديات واضحة: اختطاف غزة و استدامة المجزرة، الضغوط الاقتصادية، ضعف المؤسسات القادرة على استيعاب الطاقات. والسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الشبيبة تحويل الرمزية إلى برنامج واقعي؟
وهل تجمع بين الحلم والتحليل، بين الروح والفعل اليومي؟
هذا هو جوهر المؤتمر: توازن بين الوفاء للقدس والاستعداد لمواجهة الداخل. ليس مجرد شعارات أو صور رومانسية، بل بداية لتجديد معنى التطوع والعطاء والتضحية. فالقدس ليست ذكرى، بل رهان على المستقبل، ووصية الشهداء التي لا تقبل التأجيل.



