الكاتب : زهير حليم أندراوس
في إحدى مقولاته المأثورة أكّد الشهيد غسّان كنفاني، الذي اغتاله (الموساد) عام 1972 عن 36 عامًا، "لقد حاولوا أنْ يذوبوني كقطعة سكرٍ في فنجان شاي ساخن، وبذلوا جهدًا عجيبًا من أجل ذلك، ولكنّني ما زلت موجودًا رغم كلّ شيءٍ"، السؤال كيف نتواجد وفي أيّ حالةٍ؟ لقد قتلوك جسدًا، ولكنّهم فشلوا بتصفيتك أدبيًا، وما زالت الأجيال تتناقل أعمالك، التي كتبتها بحرقة شابٍ فلسطينيٍّ شُرِّد مع عائلته بالنكبة المنكوبة عام 1948 من عكّا.
*
عذرًا غسّان، فالاغتيال يتّم أيضًا بقتل المشاعر والعواطف وتحويل الفلسطينيّ إلى دميةٍ مُتحركةٍ تعيش على العقاقير المُهدئة، وتُعاني من أمراضٍ نفسيّةٍ صعبةٍ، جرّاء التعذيب الذي يُمارسونه خلال الاعتقال في أقبية مخابراتهم، وهذا ما حدث معي عندما تمّ اعتقالي بـ "تهمٍ أمنيّةٍ" في آب 1983، وللتاريخ أُسجِّل في هذه العُجالة أنّ التعذيب النفسيّ أخطر بكثيرٍ من الجسديّ وندباته وتبعاته وتداعيته ما زالت تُرافقني كظلّي حتى اليوم بعد مرور 42 عامًا.
*
الاغتيال النفسيّ أجبرني على العلاج، الذي ما زلتُ مستمّرًا في تلّقيه لتخفيف وطأة الألم والمعاناة. ورغم محاولاتهم تذويبي كقطعة سُكّرٍ في فنجان شاي، تمكّنت من إقامة عائلةٍ، وتزوّجت وأنا اليوم والدًا لثلاثةٍ أنهوا تعليمهم الأكاديميّ، فالكبيرة محامية والثانية طبيبة أطفالٍ والثالث مهندس، بالإضافة إلى كوني جدًا لأربعة أحفادٍ، وعائلتي الصغيرة هي بمثابة كنزي الثمين ورصيدي الإستراتيجيّ.
*
ورغم الملاحقات والضغوطات، لم أتنازل قيد أنملةٍ عن مواقفي الراسخة، كنتُ وما زلتُ وسأبقى مؤمنًا بالإنسانية كطريقٍ لتحرير الأرض والإنسان، وعاشقًا لعروبتي ولا أتراجع عن كوني فلسطينيًا فخورًا بانتمائي لهذا الشعب العظيم، ولكن بالمُقابِل دفعت الأثمان الغالية وما زلتُ لرفضي القاطع التراجع عن أفكاري ومعتقداتي. الثبات في المواقف يجعلني متفائلاً بأنّ شمس الحُريّة ستُشرِق ولو بعد حينٍ.
*
وأُنهي بالقول الحياة وقفة عزٍّ، وويلٌ لِمَنْ يكتشِف الفكرة ويتنازل عنها، سأموت، والموت حقٌّ، رافع الرأس وشامخًا كسنديان فلسطين.
آب 2025، ترشيحا، شمال فلسطين.



