الكاتب : وليد الهودلي
سَمِعْتُ هذِهِ القِصَّةَ عَشَراتِ المَرَّاتِ مِن أُمِّي، مِن قِصَصِ النَّكْبَةِ وَما بَعْدَها بِقَليلٍ أَيَّامَ سَكَنَ اللاجِئُونَ الخِيامَ الأُولَى في مُخَيَّماتِ الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ، وَمِنَ الواضِحِ أَنَّها حَفَرَتْ عَميقًا في قَلْبِها وَزَرَعَتْ حُزْنًا لا تَمْحُوهُ الأَيَّامُ، وَمِمَّا ذَكَّرَني بِها حُدوثُ مِثْلِها بالأَمْسِ.
أَحْضَرُوهُ إِلَى المُخَيَّمِ مَعَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ قَتَلَتْهُمُ الشَّاحِنَةُ، فَلَفَّ المُخَيَّمَ ظِلٌّ مِن الأَلَمِ عَلَى فَقْدِ أَرْبَعَةٍ مِن خِيرَةِ شَبابِهِ، كانَ العَبْدُ ـ أَخُو زَوْجِها لِأُمِّي ـ واحِدًا مِنْهُم. هِيَ دَأَبَتْ تُحَدِّثُنا القِصَّةَ وَكَأَنَّها تُحاوِلُ مُعالَجَةَ جُرْحٍ غائِرٍ في صَدْرِها، بَيْنَما أَبي لَمْ يُحَدِّثْنا القِصَّةَ البَتَّةَ، كَأَنَّهُ أَصْبَحَ غَيْرَ قادِرٍ عَلَى مُعالَجَةِ هذَا الجُرْحِ أَوْ حَتَّى اسْتِذْكارِهِ لأنه يُثيرُ عاصِفَةً هَوْجاءَ مِن الأَلَمِ الَّذي لا يُطاقُ.
عَلَى طَريقتِهِمُ الخَاصَّةِ في تَحَدِّي الجوعِ وَالفَقْرِ، نَصَبُوا عُدَّةَ صِناعَةِ الحُصُرِ، تُشَبَّكُ الخُيُوطُ بَيْنَ رَحَى قُطْبَيْنِ تُنْصَبانِ عَلَى الأَرْضِ، وَتُمَرَّرُ عَبْرَ خُروقِ المِضْرَبِ الَّذي يَتَوَجَّبُ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَ بِقُوَّةٍ بَعْدَ كُلِّ قَشَّةٍ، مَهَمَّةُ تَشْبيكِ الخُيُوطِ لِلأَطْفالِ وَنَسْجِ القَشِّ لِلنِّساءِ، بَيْنَما تُرِكَتِ المَهَمَّةُ الأَصْعَبُ (إِحْضارُ القَشِّ مِن غَوْرِ الأُرْدُنِّ) لِلشَّبابِ، وَكانَ مِنْهُم العَبْدُ الَّذي خَرَجَ لِهذِهِ المَهَمَّةِ وَلَمْ يَعُدْ.
كانَتِ الفَرْحَةُ تُحاوِلُ رَسْمَ صُورَةٍ عَلَى وُجُوهِهِم بَعْدَ هذَا الإِنْجازِ العَظيمِ وَهذَا الصَّيْدِ الثَّمينِ الَّذي سَتَكُونُ حَصيلَتُهُ عَشَراتُ الحُصُرِ، لَكِنَّ البُؤسَ كانَ سَيِّدَ المَوْقِفِ وَهُم يَتَرَبَّعُونَ عَلَى هذِهِ التَّلَّةِ العالِيَةِ مِنَ القَشِّ الَّذي جَزُّوهُ بَعْدَ سَفَرٍ طَويلٍ مُضْنٍ، مَخَرَتْ بِهِمُ الشَّاحِنَةُ طُرُقًا وَعْرَةً قاسِيَةً تُطِلُّ عَلَى وَدْيانٍ سَحيقَةٍ، صَوْتُ الشَّاحِنَةِ يَخْرِقُ جُدْرانَ صَمْتِ تِلْكَ الجِبالِ، وَيَضْرِبُ الصَّوْتُ رُؤُوسَهُمْ وَيُعِيدُهُمْ إِلَى حَياةِ الرَّغَدِ وَهُدوءِ البالِ.
ما الَّذي أَتى بِنا إِلَى هذِهِ الجِبالِ وَقَدْ كُنَّا في جَنَّةِ الخُصُوبَةِ وَالعَطاءِ؟ هَكَذا بِكُلِّ بَساطَةٍ حَوَّلُونا إِلَى هذَا البُؤسِ وَالشَّقاءِ. هذِهِ الأَيْدِي الَّتي تَقْتَلِعُ القَشَّ مِن ضِفافِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ ما كانَ لَها أَنْ تُضْطَرَّ لِهذَا العَمَلِ وَتَتْرُكَ ما كانَتْ عَلَيْهِ في بِلادِ السَّاحِلِ الفِلَسْطينِيِّ، حَيْثُ قَرْيَةُ العَباسِيَّةِ الَّتي تُنْبِتُ أَرْضُها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ، البُرْتُقالُ بِكافَّةِ أَنْواعِهِ وَأَلْوانِهِ، وَالنَّخْلُ وَالزَّرْعُ وَالخَيْراتُ الحِسانُ. اليَوْمَ حَلَّ مَحَلَّهَا القَشُّ الفَظُّ القاسِي، وَلَكِنْ لا بَأْسَ، فَهُوَ وَسيلَتُهُمْ اليَوْمَ لِلتَّرَزُّقِ وَتَحْسينِ الأَحْوالِ.
لَمْ يَكُنْ لِهؤُلاءِ الشَّبابِ إِلَّا أَنْ يَتَمَطَّوْا فَوْقَ حُزَمِ القَشِّ وَيَلْتَحِفُوا السَّماءَ، بَيْنَما السَّائِقُ وَمُساعِدُهُ يَتَبَوَّآنِ مَقْعَدَهُما في المُقَدِّمَةِ حَيْثُ القِيادَةُ وَالسَّيْطَرَةُ وَشَقُّ طَريقِ العَوْدَةِ. فَما نَزَلَتْهُ الشَّاحِنَةُ بِسُهُولَةٍ في الذِّهابِ لِقُوَّةِ انْحِدارِ الطَّريقِ سَوْفَ تَصْعَدُهُ بِصُعوبَةٍ وَقُوَّةِ دَفْعٍ عالِيَةٍ لِمُحَرِّكِ الشَّاحِنَةِ. حَضَرَ اللَّيْلُ بِجَلالِهِ وَوَقارِهِ وَأَسْدَلَ ذُيُولَهُ مُطارِدًا لِلشَّمْسِ وَآثارِها الحارَّةِ في هذَا الصَّيْفِ القائِظِ، وَتَسَلَّلَ النَّوْمُ بِسُلْطانِهِ إِلَى عُيُونِ المُتْعَبينَ.
عَلا صَوْتُ المُحَرِّكِ مُحَذِّرًا أَنْ يَصِلَ النَّوْمُ بِأَثْقالِهِ إِلَى عُيُونِ السَّائِقِ، خُصوصًا وَأَنَّ شَخِيرَ المُساعِدِ قَدْ عَلا دُونَ أَنْ يَكْتَرِثَ بِهَديرِ المُحَرِّكِ. ضَرَبَ السَّائِقُ رَأْسَهُ مَرَّةً، وَصاحَ بِمُساعِدِهِ عَلَّهُ يَسْتَيْقِظُ وَيَنْتَبِهَ لِسِنَةِ النَّوْمِ الَّتي تُهاجِمُ جُفُونَهُ، دُونَ جَدْوَى. هَبَطَ النَّوْمُ عَلَيْهِ هُبُوطَ مِظَلَّةٍ ثَقيلَةٍ، فَانْحَرَفَتِ الشَّاحِنَةُ وَصَدَّتْها صَخْرَةٌ عَلَى حاشِيَةِ الطَّريقِ، فَارْتَطَمَتْ بِها فَهَزَّتِ الحُمُولَةَ وَأَلْقَتْ ما عَلَى ظَهْرِها، العَبْدُ وَمَنْ مَعَهُ أَصْبَحُوا تَحْتَ عَجَلاتِ الشَّاحِنَةِ.
وَكانَتْ أُمِّي تَخْتِمُ القِصَّةَ بِلَوْعَةِ خَطيبَةِ العَبْدِ شَمْعَةَ: "شَمْعَةُ كانَتِ اسْمًا عَلَى مُسَمًّى، مِن أَجْمَلِ البَناتِ، وَجْهُها قُرْصُ جُبْنٍ، شَعْرُها أَسْوَدُ فاحِمٌ، رَشيقَةٌ، خَفيفَةُ دَمٍ، وَصاحِبَةُ ابْتِسامَةٍ مِن أَجْمَلِ ما رَأَتْ عَيْنايَ". هَكَذا كانَ وَصْفُ أُمِّي لَها. بَكَتْهُ بُكاءً مُرًّا أَبْكَتْ بِهِ كُلَّ مَنْ رآها. وَكانَتْ تَخْتِمُ وَتَقُولُ: "لُقْمَةُ العَيْشِ لَيْسَتْ دَوْمًا سَهْلَةً، جَعَلَها اليَهُودُ لَنا مُغَمَّسَةً بِالدَّمِ وَالمَوْتِ وَالقَهْرِ".
بالأَمْسِ انْقَلَبَتْ شَاحِنَةٌ في هذِهِ الحَرْبِ المَجْنُونَةِ في غَزَّةَ، اسْتَخْدَمَ فيها الاحْتِلالُ كُلَّ أَدَواتِهِ القَذِرَةِ: القَتْلُ اليَوْمِيُّ لِلنِّساءِ وَالأَطْفالِ، وَالتَّجْويعُ المُريعُ، دَفَعُوا النَّاسَ إِلَى مَتاهَةٍ مِن طُرُقِ المَوْتِ المُحاطَةِ بِالأَسْلاكِ الشَّائِكَةِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وَكانَ الَّذي يَدْفَعُ النَّاسَ إِلَى طُرُقِهِمُ الجَهَنَّمِيَّةِ هذِهِ جُوعُهُمْ وَجُوعُ أَطْفالِهِم.
حَرْبٌ مَفْتُوحَةٌ، فَجْأَةً يَفْتَحُونَ رَشَّاشاتِهِم عَلَى النَّاسِ، فَيَهْرُبُونَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِن أَحْقادٍ عُنْصُرِيَّةٍ عَمْياءَ لا تَعْرِفُ إِلَّا المَوْتَ وَالمَجْزَرَةَ.
كانَتْ شَاحِنَةٌ تَفِرُّ مِنَ المَكانِ، تَشَربَح عَلَيْها الشَّبابُ هَرَبًا، سارَتْ بِهذَا الجَمْعِ الغَفيرِ الَّذي اعْتَلاها بِسُرْعَةٍ مَجْنُونَةٍ فِرارًا مِنَ المَوْتِ بِالرَّصاصِ. الطَّريقُ وَعْرَةٌ أَفْقَدَتِ السَّائِقَ السَّيْطَرَةَ، فَتَأَرْجَحَتْ ثُمَّ انْقَلَبَتْ عَلَى ظَهْرِها، فَأَصْبَحَ الشَّبابُ تَحْتَها، تَضَرَّجُوا بِدِمائِهِم، وَسَحَقَتِ العَجَلاتُ عِظامَهُمْ، وَكانَتِ النَّتِيجَةُ عِشْرينَ شَهيدًا وَعِشْرينَ جَريحًا، وَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
ذاتُ المَأْساةِ مِن ثَمانٍ وَأَرْبَعينَ إِلَى الأَلْفَيْنِ وَخَمْسٍ وَعِشْرينَ: الاحْتِلالُ، وَالجُوعُ، وَالمَصِيدَةُ. كَمْ مِنْ خَطيبَةٍ وَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ تَنْتَظِرُ هؤُلاءِ، وَلِكُلٍّ شَمْعَتُهُ في انْتِظارِهِ.



