الكاتب : أحمد دخيل /شاعر وصحفي فلسطيني
في غزّة، لا تُكتب الرسائل على الورق، بل تُنقش على الجدران المهدّمة، وتُعلّق في الهواء الملوّث بالدخان، وتُسجَّل في صدورٍ تصرّ على أن تبقى مفتوحة للريح. هناك، حيث يتشابه الليل والنهار تحت هدير الطائرات، تصبح الكتابة شكلاً من أشكال التنفّس، لا ترفاً لغوياً، بل ضرورة للروح.
رسالة يسري الغول لا تُقرأ كنداء فردي، بل كحوار مع الوجود: أيهما أوسع؟ بيتٌ نصفه جدار مائل، أم منفى بلا سقف؟ أيهما أكرم؟ موت على عتبة البيت، أم حياة تُستنزف في الخيام؟ هذه الأسئلة تحوّل الرسالة إلى نصّ فلسفي لا يملك الاحتلال أن يجيب عنه بالرصاص.
الغول يضع القتلة أمام معضلة لم يتخيلوها: كيف يقهر الموتُ من لا يهرب منه؟ كيف تُهزم روح قررت أن تمكث حتى لو صار المكان رماداً؟ إنهم يملكون القنابل، لكنه يملك المعنى. والخراب بلا معنى خواء، أما الخراب الذي يتشبّث بالمعنى، فيتحوّل إلى شهادة وذاكرة وحق.
ولعل الاستعارة الأكثر إلحاحاً هنا أن الغبار نفسه هو الذي يكتب الوصية، لا الكاتب. فالغبار يظلّ عالقاً في الهواء بعد سقوط القذائف، يدخل عيون الجلاد والضحية معاً، ويذكّر الجميع أن الأثر أبقى من الجسد. الإنسان فانٍ، أما الغبار فيبقى شاهداً، كأنه الحبر الأخير للأرض.
بهذا، تتحول الرسالة من مجرد شهادة شخصية إلى إعلان وجودي: البقاء ليس جسداً في مكان، بل روحاً تفضح فراغ القتلة. الذي يختار أن يموت في بيته لا يعيش أقل، بل يعيش أعمق، لأن المعنى الذي يخلّفه أقوى من أي منفى.
وصايا الغبار إذن ليست انكساراً، بل دستوراً صغيراً يعلّمنا أن الركام ليس نهاية الحكاية، بل لغتها الجديدة. إنها تقول ببساطة: الجسد ينهار، لكن الفكرة لا تُهجَّر.
نص الرسالة :
رسالة إلى جيش الاحتلا.ل الإسرا.ئيلي..
أنا الكاتب الصحفي والأديب الفلسطيني يسري الغول، مواطن مدني مثل معظم سكان قطاع غزة، إن لم يكن جميعهم اليوم، لأنكم قتلتم المقاتلين وعوائلهم. لم أنزح إلى جنوب القطاع من قبل، ولن أنزح اليوم، وسأظل في بقايا البيت الذي تم تدمير جزء كبير منه، لأنني لا يمكن أن أمشي مسافة 40 كيلومترًا سيرًا على الأقدام، حيث لا يوجد مواصلات، فقد دمرتم السيارات والباصات والشاحنات، حتى عربات النقل التي تقودها الدواب، ولا أستطيع أن أحمل معي جالونات المياه وأثاث البيت والكتب والملابس والفراش والأغطية وبعض الطعام، لأجل أن أعيش في العراء حتى السماء مغطاة بكل طائراتكم التي لا تفرق بين طفل أو امرأة ثم أجلس بانتظار موتي كما تفعلون كل يوم مع مئات من أبناء شعبي، بكل أنواع القتل البشعة، إما بالقنص أمام بوابة المساعدات الأمريكية (GHF) أو قصف المساكن المدنية أو حرق الخيام أو الموت تحت الركام، لذلك قررت أن أصمد رغم قذائف المدفعية التي تسقطونها على رؤوس الأبرياء في الشوارع وفوق البيوت حتى لو كلفني ذلك حياتي. فأنتم لا تأبهون بحياة أي بشر دونكم، يملؤكم حقد دفين تجاه البشر الآخرين حتى أهلنا المسيحيين وغيرهم، وإن الديانة اليهودية وكل الشرائع والأديان منكم براء.
ربما لو كان لدينا أمة قوية وجيوش عربية حقيقية أو شعوب لديها كرامة، يسمعون أحلامكم في العلن من السعي إلى إقامة دولة إسرائيل الكبرى، ما استطعتم أن تفعلوا ذلك بنا، لكن لنا الله وحده وأحرار العالم...
لن أنزح وافعلوا ما شئتم.
#مش_طالعين



