الكاتب: الكاتب : د.محمد جبريني
ملخص تنفيذي
تتناول هذه الدراسة شخصية الرئيس محمود عباس من زاوية استراتيجيته في إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، والتي يمكن توصيفها بـ الصبر الاستراتيجي. وتقوم هذه الاستراتيجية على التمسك بخيار الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية والقانونية الدولية، والمقاومة الشعبية السلمية، وتحصين الداخل الفلسطيني من الفوضى والانقسام، مع رفض الانجرار إلى مغامرات عسكرية أو محاور إقليمية.
تركّز الدراسة على ثلاث ركائز رئيسة:
-حماية الشعب وإعادة بناء المؤسسات من خلال إصلاح الأجهزة الأمنية وتعزيز الاستقرار، بما يشكل عامل ثقة لدى المجتمع الدولي، وإن كان ذلك أفرز فجوة نسبية مع الشارع الفلسطيني في ظل غياب تجديد الشرعية الديمقراطية.
-إدارة التوازن بين الداخل والخارج عبر الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.
-الرهان على الشرعية الدولية باعتبارها المسار الوحيد الممكن لتحقيق الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
كما تناقش الدراسة المؤتمر الدولي لحل الدولتين في نيويورك (أيلول القادم) باعتباره اختبارًا حاسمًا لهذه الاستراتيجية، وفرصة لإثبات أن نهج الرئيس عباس ليس مجرد سياسة بقاء بل يمكن أن يتحول إلى خطة عبور نحو الدولة الفلسطينية.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل استراتيجية الصبر الاستراتيجي مرهون بقدرتها على تجاوز ثلاث معضلات: الانقسام الداخلي، غياب الشرعية الديمقراطية، وتذبذب الالتزام الدولي بحل الدولتين. وبينما يواجه الفلسطينيون تحديات غير مسبوقة، يبقى السؤال الجوهري: هل سيظل الصبر الاستراتيجي مجرد إدارة للأزمة، أم سينجح في فتح أفق واقعي نحو الحرية وتجسيد الدولة؟
مقدمة :
على امتداد العقدين الماضيين، واجه المشروع الوطني الفلسطيني تحديات غير مسبوقة: صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف بالتوازي مع تقدم قوى الإسلام السياسي وتراجع القوى الوطنية، الانقسام الداخلي الفلسطيني، الحروب المتكررة على قطاع غزة، وتراجع مركزية القضية الفلسطينية في الأجندة الإقليمية في ظل موجة التطبيع العربي–الإسرائيلي. في خضم هذه التحولات، برز الرئيس محمود عباس منذ توليه الرئاسة عام 2005 بوصفه نموذجاً مغايراً لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وإذا كان الرئيس الشهيد ياسر عرفات قد جسّد الرمز الكاريزمي الثوري، فإن الرئيس عباس قدّم صورة “القيادة ذات العقلية الباردة” المستندة إلى الصبر الاستراتيجي: أي الإصرار على حل الدولتين عبر التفاوض والشرعية الدولية والمقاومة الشعبية السلمية، وتجنّب الانزلاق إلى دوامات العنف أو الارتهان لمحاور إقليمية.
الصبر الاستراتيجي: فلسفة سياسية :
لم يكن خيار الصبر الاستراتيجي مجرد سياسة انتظار، بل هو محاولة لإدارة التناقض بين ضعف القوة الفلسطينية الميدانية وضرورة حماية المشروع الوطني من الانهيار. ويتجلى هذا المفهوم عند الرئيس عباس في عدة مرتكزات:
-التشبث بخيار الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كهدف غير قابل للتصرف، مهما طال الزمن أو تبدلت الظروف.
-إدارة الصراع بوسائل دبلوماسية وقانونية عبر الأمم المتحدة والمحاكم الدولية بالتوازي مع المقاومة الشعبية السلمية، بدلاً من المواجهة العسكرية غير المتكافئة.
-حماية الشعب الفلسطيني ضمن نطاق سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، خصوصًا في الضفة الغربية، ومنع الانهيار والفوضى، خلافاً لما شهده قطاع غزة بعد عام 2007 حين انزلق إلى سيطرة خارج إطار الشرعية الوطنية وما تلا ذلك من مغامرات عسكرية دفع الشعب الفلسطيني ولا زال أثمانها الباهظة.
-رفض الانجرار وراء مشاريع الإسلام السياسي التي تلاقت موضوعياً مع مشروع اليمين الصهيوني في تقويض فكرة الدولة الفلسطينية، عبر تكريس الانقسام وتحويل الصراع من صراع تحرري وطني إلى صراع ديني.
-اعتماد سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، بما يحفظ استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ويجنّبه الاصطفافات المكلفة.
-حماية الشعب وإعادة بناء المؤسسات
شكّل البعد الداخلي لاستراتيجية الرئيس عباس إحدى ركائز مقاربته السياسية، من خلال:
-إعادة بناء وإصلاح قوى الأمن الفلسطينية على أسس مهنية وبدعم دولي، مع ضبط السلاح تحت سلطة واحدة، بما عزز من ثقة المجتمع الدولي بقدرة السلطة على فرض الاستقرار.
-منع تكرار سيناريو غزة، حيث أدى الانقسام إلى شرخ جغرافي وسياسي لا يزال يعطل المشروع الوطني حتى اليوم.
-إعادة إصلاح مؤسسات الدولة الفلسطينية، بما يضمن تماسك الإدارة العامة وتواصل الخدمات، وإن كان ذلك أحياناً على حساب تجديد الشرعية عبر الانتخابات.
لقد جعلت هذه المقاربة السلطة الوطنية الفلسطينية تبدو في نظر المجتمع الدولي كـ”جزيرة استقرار نسبي” في محيط إقليمي متوتر، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في خلق فجوة مع الشارع الفلسطيني المتعطش إلى المشاركة الديمقراطية وتداول السلطة.
مؤتمر نيويورك لحل الدولتين: اختبار جديد
يمثل المؤتمر الدولي المزمع عقده في نيويورك في أيلول القادم محطة مفصلية في مسيرة الصبر الاستراتيجي. فنجاح الرئيس عباس في توظيف هذا المؤتمر لتجديد الالتزام الدولي بخيار حل الدولتين بدعم من الدول الراعية للمؤتمر، ولا سيما المملكة العربية السعودية وفرنسا، قد يُثبت أن نهجه لم يكن سياسة انتظار بلا جدوى. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يبقى مرهوناً بقدرة القيادة الفلسطينية على:
-توحيد الصف الفلسطيني أو على الأقل تقليص فجوة الانقسام الداخلي.
-طرح مشروع إصلاحي متكامل يعيد بناء مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية ككيان دولة قيد التشكل.
-إظهار التوازن بين حماية الجبهة الداخلية والتحرك الدبلوماسي الدولي، بما يعزز صدقية القيادة أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي في آن واحد.
اللافت أن انعقاد المؤتمر يأتي في لحظة إقليمية ودولية تشهد تراجعاً نسبياً في الإجماع الغربي على دعم السياسات الإسرائيلية، وتصاعداً في الأصوات الأوروبية والأمريكية الداعية إلى مقاربة أكثر عدلاً بعد تداعيات الحرب الأخيرة على غزة واعتداءات الاحتلال وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية. وهذا قد يفتح نافذة جديدة للنهج الذي تبناه الرئيس عباس.
تقييم ختامي :
تُعبّر استراتيجية الصبر الاستراتيجي عند الرئيس محمود عباس عن رؤية سياسية تعتبر أن حماية الشعب الفلسطيني، وتحصين المؤسسات الوطنية، والحفاظ على شرعية الدولة في النظام الدولي، أولويات تتقدم على المغامرات العسكرية أو الارتهانات الإقليمية. غير أن هذه الاستراتيجية ستظل عرضة للتآكل ما لم تُرفد بجهد وطني شامل يواجه الانقسام، ويجدد الشرعية الديمقراطية، ويمنح الفلسطينيين أفقاً عملياً نحو الحرية.
وبينما يتوجه الرئيس عباس إلى مؤتمر نيويورك، تبدو المعادلة الحاسمة واضحة: هل سيظل الصبر الاستراتيجي مجرد “إدارة بقاء”؟ أم أنه سيتحول إلى “خطة عبور” نحو الدولة الفلسطينية المنشودة؟



