الكاتب: إياد أبو روك
لم يعد التعاطف كافيا ولم تعد الشفقة نافعة. ولم تعد كل كلمات الصبر تجدي نفعنا مع ما يعيشه الفلسطيني من نكبات متجددة !! اليوم مايمر به الفلسطينيون ليس ازمة عابرة يمكن ترميمها بخيمة اغاثة او خطاب دبلوماسي بارد. نحن امام مأساة ممنهجة تقطع شجرة العائلة من جذورها وتبعثر أوراقها في رياح المنافي. لهذا صار السؤال الحتمي كيف تحول التشتيت الى سياسة. وكيف تحول البيت الى ذكرى والقرية الى حكاية والعائلة الى صور متناثرة في هواتف بعيدة.
منذ اللحظة التي ازيح فيها الفلسطيني عن مكانه الاول صار المكان نفسه مطاردا. لم تتوقف القصة عند اقتلاع الناس من بيوتهم. تكاثرت طبقات القهر احتلال حصار .استيطان. جدار .حواجز . وقوانين تمزق الألفة وتمنع لم الشمل. صارت الجغرافيا سكينا يقطع رحم القرابة ام في غزة أب في الضفة إبن في الشتات وجدة تحت صمت ثقيل في مخيم بعيد . والوقت نفسه تحول الى خصم سنة وراء سنة يفوت عناق يغيب عيد ميلاد وتصبح الجنازات لقاءات مستحيلة.
القصة ليست ارقاما. هي اسماء ووجوه وانفاس. تخيل عائلة خرجت لزيارة قصيرة فإذا بالزيارة تتحول الى حصار طويل. الام تحمل طفلتين ولدتا في بلد آمن لا تفهمان لماذا تتصدع الجدران ولماذا يختفي الضوء. الاب يحاول ان يطمئن بصوت ثابت بينما داخله يتهشم. القريب الذي كان يبتسم في المناسبات حتى أمسى صورة معلقة والخالة التي كانت توزع الحلوى صارت علامة غياب. التشتيت لا يسلب البيت فقط يسلب تفاصيل الحياة التي تصنع دفء العائلة. مائدة الجمعة صارت مكالمة فيديو متقطعة ورائحة القهوة التي كانت تملأ بيتا واحدا صارت تتوزع بين بيوت متباعدة وحتى الحزن صار فرديا كل شخص يبكي وحده في بلد بعيد.
الفلسطيني اليوم يحفر في الصخر ليصنع لأطفاله درعا من التعليم واللغة والذاكرة. يعمل أكثر مما يحتمل الجسد يختزن راتبه ليجدد اقامة او ليستصدر ورقة تمنح ابنه حق البقاء او ليسافر ليودع اما مريضة لا تسمح المعابر بعناقها الاخير. يحمي اطفاله من صور الدم والاشلاء ثم ينكسر منفردا قبل الفجر. يعلمهم الا يكرهوا الحياة وان يتقنوا لغات العالم والا ينسوا لغة الجدات. يعلمهم ان العدالة ليست كلمة في نشرة الاخبار بل حق ينتزع من فم الاهانة.
وعلى المعابر حين يبصر الموظف جواز السفر الفلسطيني تنقلب الرحلة الى اختبار اذلال طويل. تفتيش مضاعف اسئلة لا تنتهي انتظار بلا مبرر تفريق افراد الاسرة في ممرات مختلفة مصادرة اجهزة وهواتف او العبث بمحتوياتها .. نظرات ريبة تعامل صاحب الجواز كمتهم لمجرد انه فلسطيني. يتعود المسافر على ان يخلع حزامه اكثر مما يخلع معطفه وعلى ان يمد يديه للتفتيش اكثر مما يمدهما للسلام. كثيرون يخرجون من بوابة الحدود وفي داخلهم شعور ثقيل ليس المقصود امن بقدر ما هو درس يومي في الاخضاع رسالة تقول ان الهوية نفسها جرم قابل للتفتيش.
وفي بعض البلدان العربية حيث كان يفترض ان تكون المظلة اوسع والقلوب اقرب يتعرض الفلسطيني في الشتات لاشكال متنوعة من سوء المعاملة. قيود على فرص العمل والسكن عراقيل اجرائية عند تجديد الاقامة او لم الشمل تنمر اجتماعي يلوك صورا نمطية جارحة واشارات تذكر اللاجئ بانه ضيف حتى لو ولد وكبر هناك. اطفال في المدارس يسألون بسخرية عن لهجتهم او اوراقهم وشباب يمنعون من مهن معينة بلا سبب الا خانة الجنسية. في بعض المخيمات تتكثف شروط العيش القاسي اكتظاظ هشاشة بنية تحتية حضور امني خانق وبطاقة تعريف تقول لصاحبها ان مساحته في العالم تقاس بخيمة لا بحقوق. هذا كله يضيف طبقة اخرى من الالم ان تهان بعيدا عن الوطن بين اناس يجمعك بهم تاريخ وثقافة ثم يطلب منك المثالية والصمت.
العالم شاهد ملايين تملأ الشوارع مطالبة بوقف القتل ووقف تجريف البيوت والمدارس والذكريات. ومع ذلك ظلت حكومات كثيرة صماء وكأن ارادة الجماهير لا وزن لها. كيف تهدر اصوات المدن الكبرى التي امتلأت بالسواعد المرفوعة. كيف يستمر مشهد القصف وكأنه خبر عادي. ما قيمة الديمقراطية اذا كانت السلطة لا تصغي لشعوبها عندما تتكلم بلغتها الاعلى. المشكلة ليست في قسوة الصور فقط بل في خطاب يجرد الضحية من انسانيتها ويحيلها الى رقم يمكن تجاوزه. لذلك نكرر كل رقم هو اسم وحلم وبدايات لم تكتمل وراء كل رقم طفل كان يريد لعبته الجديدة واب كان يخطط لدهان غرفة ابنته وجدة كانت تخبز الخبز على نار هادئة كي لا يحترق.
هذا التفتيت ليس مصادفة. هو بناء طويل مبرمج اوراق يتحكم بها مناطق تقسم تصاريح تمنع حواجز تتحول الى يوميات وقوانين تعطيك حقا اليوم وتسحبه منك غدا. الرحلة من بيت الى بيت تصبح مقامرة بالوقت والكرامة. كل ذلك يجري تحت سقف خطاب يطالب الضحية بالهدوء بينما تهدم غرف نوم اطفالها ويحول المعابر الى مسار اذلال مقنن والشتات الى اقامة مؤقتة بلا افق.
الشعوب قالت كلمتها. قالت ان الدم لا يساوم وان حياة طفل واحد اغلى من كل الحسابات. اذا كانت الحكومات لا تسمع فذلك يفضح هشاشة اخلاقية لا يمكن سترها. المواقف التي تبرر استمرار القتل تشارك فيه. الصمت يشارك. الحياد يشارك. وفي النهاية سيسأل كل عما فعل حين كان الحق واضحا مثل شمس في كبد السماء.
قد يبدو العالم ميالا الى القوة التي تملك السلاح لكن التاريخ ميال الى الذين يملكون المعنى. الانتصار الممكن الان ليس نشيدا ولا شعارا هو تفاصيل صغيرة تعيد بناء الكيان ان يبقى الطفل حيا ويتعلم ان تحتفظ العائلة بذاكرتها ووثائقها واسماء قراها ان تحمل المفاتيح لا كرمزية باهتة بل كعقد قانوني مع الزمن ان تبقى العربية على السنة الاطفال في الغربة وتبقى لهجة الجدات حية في الضحكات والدعاء. ان تتحول الارشيفات العائلية الى درع ضد النسيان وان تتحول القصص الفردية الى سردية عامة لا تمحى.
ما يحدث ليس قدرا. هو فعل سياسي واخلاقي يمكن وقفه اذا تحركت الارادة الحقيقية للحكومات والجماهير. مطلبنا واضح حماية المدنيين فورا رفع الحصار وقف الابادة إطلاق مسار عدالة يحاسب المجرمين وينصف الضحايا واعادة الاعتبار لحق بسيط هو حق الانسان في بيته وعائلته وامن اطفاله. الفلسطيني لم يطلب معجزة طلب ان يعيش مثل الاخرين ان ينمو اطفاله بلا خوف ان تعود العائلات الى موائدها وان تفتح النوافذ لنسيم لا يحمل رائحة البارود. وحتى يحدث ذلك سنواصل الحفر في الصخر وسنواصل حمل اسمائنا وقصصنا ومفاتيحنا وسنواصل تربية اطفالنا على ان الكرامة هي جزء من كفاحنا ونضالنا الابدي .



