الكاتب : أحمد دخيل
في صباح الثلاثاء من آب/أغسطس 2025، اقتحم وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، إيتمار بن غفير، زنزانة الأسير القائد مروان البرغوثي في سجن "إيشل" الصحراوي جنوب فلسطين المحتلة. كانت الزنزانة محاطة بأجهزة الأمن والكاميرات، تحاول أن تسجل اللحظة كما لو كانت لوحة رسم باردة، لكنها حملت معنى أعمق: سجان يمتلك المفاتيح والجدران، وأسير يمتلك الصمت والحرية، وقلبًا أكبر من كل الأقفاص.
مروان البرغوثي، الذي تفقّه بالثورة من دساتير فتح، وقف بثبات، كجذر زيتون يتحدى العواصف، يعلم أن الزمن لا يُقاس بالساعات، وأن الحرية الحقيقية ليست فتح الأبواب، بل أن تبقى روحك حرة وسط الظلام. صوته هادئ كالنهار الذي ينساب فوق الجبال، عميق كجذور الأرض، محمّل بثقل التجربة ونقاء الرؤية. عيناه، كقنديلين مضيئين في الليل، لم تنطفئا، وجسده النحيل يخفي وراءه ساحة واسعة من المقاومة، حيث تتردد أصوات الطبول والخيول وكأن الزنزانة تحولت إلى فضاء أكبر من جغرافيا السجن نفسه.
الوجود السياسي للبرغوثي في زنزانته لا يقل تأثيرًا عن أي منصة علنية: هو ليس مجرد أسير يقاوم الجدران، بل رمز لحركة "فتح" وصوتها الأسير. وكل كلمة وكل نظرة له تحمل رسالة واضحة: القضية الوطنية حية، والحركة قادرة على الصمود رغم محاولات المحو والتفتيت. وإذا كان الاحتلال قد اقتحم الزنزانة بهذه الوقاحة، فهذا لأن فتح، وحضورها الوطني، لا يزال يُحتسب ويُحسب له وزن على الأرض؛ لولا ذلك لما تحرك بن غفير بهذه الطريقة، لولا ذلك لما حاول أن يثبت وجوده على مشهد الأسير.
القيادة الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حاضرة كظل الزيتون الممتد على الأرض تحت لهيب الشمس، صامتة كالنهر الذي يعرف طريقه بين الصخور، قوتها غير مرئية لمن لا يفقهون مسارها، لكنها تتحرك في عمق الحكاية، تحمل صدى القرار وصمت الحكمة.
لا تظهر كما يظهر الأسير، لكنها تُشعر بالحضور في كل كلمة حق ، في كل نظرة ثبات، في كل نبضة صمود. هي الرمز الذي لا يحتاج إلى صخب ليُقنع، لكنه يترك أثرًا، كما تترك الريح أثرها على وجه الماء الهادئ.
غادر بن غفير مسرعًا، وكأنه يهرب من سؤال ظل يطارده: كيف يمكن لأسير أن يكون السيّد في غرفة مغلقة؟
الجواب واضح كالنهار: السجن ليس في الجدران، بل في القلب.
ومروان، قلبه أوسع من أن يُغلق، أوسع من كل محاولات القهر، وأوسع من كل قيود.
* شاعر وصحفي فلسطيني



