الكاتب : مناضل حنني
من الواضح أن الأحداث المتسارعة في منطقتنا منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى يومنا هذا مليئة بالتحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي لا تحمل سوى الأبعاد المجهولة والمثيرة للقلق، إذا نظرنا بتمعن إلى الحرب المعلنة على إيران، سنكتشف أن ما يجري اليوم هو في الحقيقة عبارة عن ترتيبات يجري الإعداد لها على صعيد دولي، يتطلب تنفيذ خطوات محددة، أبرزها: إسكات إيران وحلفائها، واستخدام الترهيب والترغيب للتطبيع مع إسرائيل، واستمرار تدمير غزة بشكل ممنهج.
تدمير غزة واستمرار الاستيطان: تشير التقارير الأخيرة إلى أن عملية تدمير غزة لم تعد مجرد قصف عشوائي، بل أصبحت بمثابة "هواية" يمارسها مقاولون يتم استئجارهم مقابل المال، لتدمير منازل الفلسطينيين ومصادرة الأراضي، في الوقت نفسه، تستمر عمليات الاستيطان في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق، إذ تُشرع البؤر الاستيطانية وتُقام المستوطنات، وسط اعتداءات متزايدة من المستوطنين على المدن والقرى الفلسطينية، آخر هذه الاعتداءات كانت في كفر مالك، ومن المتوقع أن تتكرر في المستقبل القريب، ما يعكس الواقع المؤلم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني يومياً.
المراوغة السياسية الدولية: لقد تعودنا في الفترة الماضية على أن سياسات الخداع والمراوغة هي السمة الأبرز للعديد من الأطراف الفاعلة في المنطقة، الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يُعتبر من أبرز هؤلاء الذين يمارسون لعبة التصريحات المتناقضة التي تثير الحيرة، ففي تصريحات متناقضة له خلال الأيام الأخيرة، أشار إلى أن إسرائيل "تقوم بعمل جيد في إيران"، ثم في تصريح آخر قال إن "إيران يجب أن تعود إلى المفاوضات"، وتوالت تصريحاته لتشمل تدمير المنشآت النووية الإيرانية في وقت محدد، ثم دعوته إلى وقف الحرب في غزة.
في الوقت نفسه، أعلن عن "أخبار جيدة" حول توقف الحرب في غزة خلال أسبوعين، ثم أضاف "يجب أن تتوقف محاكمة نتنياهو"، مما يشير إلى أنه قد يكون هناك صفقة سياسية في الأفق تتعلق بإيقاف الحرب في غزة، ووقف محاكمة نتنياهو، وتهيئة الأوضاع لتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية.
الصفقة السياسية الكبرى: ماذا عن الضفة الغربية، فهذه التفاعلات تثير العديد من الأسئلة حول مصير الضفة الغربية في ظل التطورات المتلاحقة، هل ستكون الضفة الغربية جزءًا من صفقة سياسية كبرى تقتضي، من جهة، وقف الحرب في غزة، ووقف محاكمة نتنياهو، وفي المقابل، استمرار الاستيطان في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق؟
لقد أصبحت العمليات الاستيطانية في الضفة الغربية جزءاً من فرض أمر واقع يتسم ببناء جسور، طرق وشوارع استيطانية جديدة، وإنشاء مئات الحواجز الأمنية، بالإضافة إلى محاولة تدمير المخيمات الفلسطينية وفرض السيطرة على المزيد من الأراضي. مع تسارع هذه الاعتداءات، يُطرح السؤال الأهم: هل نحن أمام منعطف تاريخي وحاسم؟ هل نحن ذاهبون إلى حل سياسي، مهما كان نوعه ومضمونه؟ أم أننا على أعتاب قرار ضم شامل للضفة الغربية؟
المستقبل المتوقع: الضم أو الحل السياسي، فالمعطيات تشير إلى أن هناك احتمالية كبيرة لتنفيذ قرار ضم للضفة الغربية، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، وذلك بإشراف أو بتأييد من الإدارة الأمريكية السابقة تحت قيادة ترامب، فلقد أصبحت هذه السياسة جزءًا من التفاهمات السياسية التي قد تشمل عدداً من الدول العربية، على رأسها سوريا، ما يفتح الباب أمام تطبيع العلاقات بشكل أكثر شمولاً.
في ضوء هذه التحولات، قد تكون الصورة التي تم نشرها في تل أبيب مؤخراً، والتي تظهر زعماء عرب مع ترامب ونتنياهو، بمثابة تجسيد لهذا التوجه الجديد، وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستكون الضفة الغربية مجرد قطعة من صفقة سياسية أكبر، أم أن هناك فرصة لحل سياسي حقيقي؟
إن الوضع في الضفة الغربية، في ظل تسارع الاستيطان، والتحولات السياسية، والتدخلات الدولية، يشير إلى أننا على أبواب مرحلة جديدة قد تحمل في طياتها قرارات حاسمة قد تؤثر بشكل كبير على مستقبل فلسطين ككل، ومع ذلك، تبقى الأسئلة المتعلقة بحل سياسي عادل وواقعي تُطرح دون إجابة شافية حتى الآن.
*عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني



