بقلم : وليد الهودلي
لم يحسبوا هذه المرّة أو حسبوه بطرقهم الملتوية أن الامر يصيب الأمّة التركية من رأسها إلى أخمص قدميها، فالمستشفى أقيم بدعم تركيّ مساعدة ودعما لأخوّتهم مع الشعب الفلسطيني، فأن تدمّر وتحتفل بضرب هذا العنوان التركي الصريح فيه ما فيه من اعتداء صارخ على كرامة هذه الامّة العظيمة، لقد صفعتم الروح التركية الجميلة في عطائها وسخائها وركلتم صنيعهم الإنساني النبيل بحذائكم القذر، ولم تحسبوا حسابا لهذه الصفعة أن تهزّ جذع النخوة التركية العظيمة، لقد غرّتكم قوتكم المتلفعة بالدعم الأمريكي وغرّكم بالله الغرور وفعلتم فعلتكم المقيتة هذه دون أن تحسبوا أدنى حساب ودون أن تدركوا أن هذا يغضب التسعين مليون تركي ويغضب كل عربي ومسلم وكل انسان حرّ يتمتع بمشاعر إنسانية لم تلوّثها صهيونتكم النتنة ولا الامبريالية القذرة.
ما هذا الاستهداف الدنيء الوقح الفجّ؟! لقد رأينا الطريقة الهستيريّة التي فجّر فيها جيش الاحتلال المستشفى التركي لمعالجة الأورام السرطانيّة وكيف تعالت صيحاتهم ورقصاتهم وكأنّهم في نشوة عيدهم الذي يسمّونه مساخر وهو بالمناسبة موصول بهذه الذكرى، أو أنّه احتفال بفوز فريقهم لكرة القدم، أو أنّها احتفالات لأحزاب قد فازت في عرسهم الديمقراطي العظيم!، ما هذا الجنس البشري الذي يدمّر مستشفى ويحتفي بذلك، وهذا المستشفى هو الوحيد الذي يعالج مرضى السرطان لهذا الشعب المنكوب بهم وبجرائمهم؟ لا يمكن التصديق بأن هناك جماعة بشرية على وجه الأرض تمارس هذه الجريمة الفظيعة وتحتفل بجريمتها إلا أن يكونوا سرطان هذه البشريّة، عندئذ فقط نصدّق ما جرى، غدّة سرطانية تحتفل بتدمير مستشفى لمعالجة هذا النوع من الغدد لأنه يتصادم مع فكرة السرطان ذاتها فلا بدّ من تدميره. وهذا يحقق مصداقية هذا المصطلح الذي أطلق عليهم منذ زمن بعيد.
ماذا لو فعل ذلك تنظيم ممن يصفهم هذا الاحتلال بأنّه تنظيم إرهابيّ ففجّر مثلا سيارة اسعاف أو وضع عبوة بالقرب من عيادة أو مشفى؟ عندئذ ستستحضر كل مصطلحات اللغة المريعة، لقد قالوا عن الفلسطينيين بأنهم حيوانات بشرية يوم السابع من أكتوبر، ماذا لو كان من الأهداف مشفى؟ لقد فعلوا في غزّة ما لم يفعله بشر والادهى وأمرّ أنهم يصوّرون وينشرون ولا يحسبون حساب أحد لا محكمة دولية ولا مراجعات داخلية يسأل فيه من ألقى أوامره وعلى الأقلّ من زاوية مصالحهم وصورتهم أمام العالم، لقد توحّشوا وأصيبوا بلذّة التوحش ولم تعد في حساباتهم سوى هذه اللذة الساديّة النازية الفاشيّة التي تجعل منهم أبطالا في وحل البشرية ومزابل التاريخ التي تزداد قذارة بهم وبما يجرمون.
كيف تجرّأتم على ارتكاب هذه الجريمة النكراء، كونها هدف مدني ثم مستشفى ثم مستشفى تركيّ قد ساهم في بنائه تسعون مليون تركي يملك المشاعر النبيلة ويسهم في بناء هذا الصرح العظيم لإنقاذ من ابتلوا بهذا المرض الصعب؟ فتكون المعادلة هكذا: شعب تركي يبني صرحا بدوافع إنسانية نبيلة يمثّل بها صورته الحضاريّة المشرقة، فتأتي حثالة بشريّة بدوافع عنصرية حاقدة سوداء فتدمّر ما بنته الايادي التركيّة البيضاء.. فأين تذهبون بجريمتكم هذه.
لقد هزّت جريمتكم جذوة النخوة التركية بالدرجة الأولى، وقد فعلتم مثل فعلتكم هذه بسفينة مرمرة وذهبت بكم الأمور الى إساءة الوجه والاعتذار فأين تذهبون اليوم؟ غريمتكم الحكومة التركية وشعبها التسعين مليون، غريمتكم كرامة أمّة عظيمة صفعتم قلب كرامتها واستفززتم عمق سياتها فأين تذهبون؟ هذه جريمة بسبق الإصرار والترصّد فكل المعلومات والاحداثيات تشير إلى تركيا وأنقرة، وإذا جاز لنا أن نذهب إلى السياسة فإنها رسالة سياسيّة بامتياز مقصودة بالدرجة الأولى إلى الحكومة التركية تقول لها إياك أن تلعبي بنار "دولة إسرائيل" العظيمة، فهندسة الشرق الأوسط لنا وحدنا، بالقوة والنار والبلطجة، أمّا أنتم فلكم أن ترعوا أغنامكم في حديقتنا الخلفية بعيدا عن ملفّاتنا الساخنة واسلموا برأسكم.
هذه رسالتهم التي أدلى بها غرورهم وغاب عنهم أنهم أمام أمّة تركيّة لا ولن تركع لغير الله. وأن نخوتهم التي أجادوا هزّها ستأتيهم بما يرون ويسمعون لا بما يشطح به خيالهم المشؤوم.



