الكاتب : زياد بركات
لا يُعرف (في المُعلَن على الأقلّ) سبب فشل آخر جولة محادثات غير مباشرة بين حركة حماس وإسرائيل، لكن ما يُعرف أن دور بشارة بحبح آخذٌ في التوسّع، وربّما في التأثير أكثر في سير المفاوضات، خصوصاً بعد دوره الكبير في الإفراج عن الجندي الأميركي/ الإسرائيلي عيدان ألكسندر في 12 مايو/ أيار الجاري، عشية وصول الرئيس الأميركي، ترامب، إلى السعودية، وكانت الخطّة الأوّلية التي نسفها بنيامين نتنياهو تفيد بصفقة كبيرة يعلنها ترامب في الدوحة، وتُنهي (ولو مؤقّتاً) استعصاءَ محادثات تبادل الأسرى ووقف العدوان على قطاع غزّة. يبدو دور بحبح مفاجئاً، بل إن ظهوره نفسه كان صدمةً لكثيرين لا يعرفون شيئاً على الإطلاق عن تجربة الرجل السياسية والأكاديمية، قبل أن يفاجأوا به مؤثّراً وعضواً فاعلاً في فريق مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف.
بحبح فلسطيني أميركي، من مواليد القدس (1958)، وهو أكاديمي سابق في جامعة هارفارد العريقة، وخبير في إدارة الثروات والديون والضرائب، وله دراسات في العلاقات العسكرية بين إسرائيل ودول أميركا اللاتينية، ويدين له ترامب، على نحو أو آخر، بالفوز بأصوات الناخبين من أصول عربية في ميشيغان، فقد نشط الرجل في حملة ترامب، بل أسّس العام الماضي (2024) منظّمةً لدعمه؛ "الأميركيون العرب من أجل دونالد ترامب"، رغم أنّه كان من داعمي جو بايدن في انتخابات 2020. ويعود دعمه ترامب إلى خيبة أمله من انحياز إدارة بايدن الأعمى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، ورهانه على إمكانية تغيير توجّه الإدارة الأميركية من الداخل، وكسر الاحتكار اليهودي لمفاتيح العلاقات مع الإدارات الأميركية المتعاقبة في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.
ويُعتقَد أن الرجل كان وراء الاتصالات المباشرة بين إدارة ترامب وحركة حماس، وهو ما أغضب إسرائيل، ومن شأن استمراره (وهذا وارد نظرياً) الإسهام في تهميش الدور المتضخّم والاستحواذي لنتنياهو (وليس لإسرائيل) في ملفّات الشرق الأوسط كلّها، وليس في ملفّ محادثات تبادل الأسرى فقط، وكان تتويج دوره في إطلاق عيدان ألكسندر، وفي أنه القناة الأميركية المباشرة مع "حماس"، ما يفسّر وجوده في الدوحة، منذ أكثر من أسبوع، في وقت كان يفترض أن يُعلَن فيه التوصّل إلى وقف مؤقّت (نحو شهرَين) لإطلاق النار وتبادل للأسرى بين إسرائيل و"حماس".
يتحدّث بحبح عن ذكريات لجوئه، عن أسرته الكبيرة والشتاءات القاسية التي عاشها ذووه في مخيّم للاجئين الفلسطينيين في مدينة الزرقاء الأردنية، وكيف أن ذلك حفّزه على الخروج من تلك البئر المعتمة التي رُمي فيها الفلسطينيون، إذا جاز الوصف. ويبدو أن أشباح أوسلو تعود معه في السماء الفلسطينية، فالرجل، الذي شارك في محادثات السلام ما بين 1991 و1993، كان على موعد مع اتصال من سهى عرفات (الطويل)، أرملة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، التي أخبرته برغبة "حماس" (غازي الحمد في البداية ثمّ خليل الحيّة) في التواصل معه لفتح قناة اتصال مباشرة مع إدارة ترامب، وهو ما يعكس براغماتية الحركة ورغبتها في طرق كلّ الأبواب للتوصّل إلى حلول، وليس تعنّتها على ما يذهب بعض المراقبين، والمأمول أن تنجح الحركة، حتى لو سلكت طريقاً كانت قد انتقدته، بل حاربته في حينه، وهو طريقٌ سُدّت منافذ نجاحه تماماً، رغم أنه كان يفترض أن ينتهي إلى دولة فلسطينية.
وليس هذا دفاعاً عن مسار "أوسلو"، وهو كان يحمل بذور فشله في داخله للأسف، بل لمسارٍ خارج صندوق، يحمل مفاتيحه كلّها نتنياهو، فأيّ تعارضٍ بين الأخير وإدارة ترامب يُعتبرُ فوزاً ومكسباً يمكن البناء عليه عربياً وفلسطينياً، والظنّ أنه ليس بعيداً ذلك اليوم الذي تنفجر التناقضات بين الطرفَين، خصوصاً أن ترامب ربّما خلص بعد زيارته للمنطقة إلى أن الأطراف العربية جادّة في إسناد الفلسطينيين، وأنها تتجاوب معه بينما لا يفعل ذلك نتنياهو.
وبالطبع، قد يكون رهانٌ كهذا محفوفاً بنيّات حسنة متطرّفة، وقد يوصف بالسذاجة نظراً إلى عمق العلاقات الإسرائيلية الأميركية ومتانتها، لكن ذلك بالضبط ما يعمل عليه رجالٌ مثل بشارة بحبح، وهو التأثير من الداخل، وعزل دوافع نتنياهو الشخصية عن مصالح كيانه، والدفع باتجاه حلّ نهائي للصراع يتمثّل بإقامة دولة فلسطينية، أي إنقاذ إسرائيل من نتنياهو نفسه، وهو ما بات يؤيّده كثيرون من زعماء الغرب الذين عُرف عنهم تأييدهم المطلق لإسرائيل.
" العربي الجديد"



