الكاتب : أنس بن صالح
العزيز خوان غويتسولو..
آمل أن تكون بخير حيث أنت. أنا موقنٌ أنك تستعذب نسيم البحر، وتنتعش برذاذ المطر في الصباحات الغائمة، وتشنّف آذانك بأصوات طائر النورس، وأحاديث جان جينيه الغاضبة، هناك في مرقديكما المطلّين بشموخ على المحيط الأطلسي، حيث لا وطنَ وكلّ الأوطان.
العزيز خوان..
أستميحك عذراً إن قطعت عليك أحلام قيلولتك العذبة، أعلم أنها العادة الأثيرة إلى قلبك وكلّ ما يجمعك مع بني جلدتك. لكن هل بلغك ما يحدُث في غزّة؟ هل حملت لك الرياح البرّية زعيق المقاتلات الحربية في سماء غزّة، هل تناهى إلى مسامعك نحيب الثكالى ووجع الأيتام في رفح، هل عكّر أنين الجرحى في خانيونس سُباتك؟
العزيز خوان..
آمل أن تغفر لي تطاولي الطفولي على خلوتك الأبدية، فما كنتُ لأجرؤ أن أفسد عليك تأمّلاتك الربيعية، لولا أن الأمر جلل والخطبُ فادح، ولأنني أعلم تماماً ما تعنيه لك فلسطين، وعلاقتك الرهيفة مع كلّ القضايا العادلة فوق أديم الأرض. وددْتُ فقط أن أخبرك أن الأطفال والخدّج والنساء في غزّة ينحرون كما تنحر الشياه في المسالخ، وأن الرجال والشيوخ يذرفون الدمع حزنا وأسىً، وما عادوا يخجلون من العبرات، ولا يبذلون جهداً لحبسها في المُقَل. أردتُ أن أبلغك أن حفلات للرقص تُقام في غزّة فوق أجساد الموتى، ويلتقط الجلّاد صاحب الزيّ الأخضر والنعل البنيّة، صوراً مع ضحاياه، وابتسامة ماكرة ملء فيه.
هل بلغك أن سكّان غزّة الأموات الأحياء يهيمون وسط الخراب، ويجولون على غير هدىً بين الأنقاض والدمار، يحملون الجرادل والأواني، وما خفّ حملُه بحثاً عن الماء؟
العزيز خوان..
لا أعلم إن بلغك في حمأة هذا المشهد المأساوي المُغرق في السوريالية أن الجوع اشتدّ وقبض الأرواح، وأن الرضّع ينافون أثداء أمهاتٍ جفّ الحليب فيها. هل يفاجئك أن ضمائرنا الظاهرة والمستترة ماتت وشيّعناها إلى مثواها؟ وأننا ألفنا صور الذبح والقتل، وأن "مشاهد ما بعد المعركة" لم تعد تستفزّ ما تبقّى من إنسانيتنا؟ هل تصدّق أنّنا صرنا مهرةً في إحصاء الأموات وأعداد المهجّرين وطوابير الجرحى؟
أرجو أن تعلم أيضاً أن قومك، أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأشقر الناعم، دعاة حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، وما يتلوها من شعارات رنّانة جوفاء، خذلونا وأداروا ظهورهم لنا، وتركونا للضباع والذئاب تنهش في أجسادنا، تماماً مثلما فعل بنو جلدتنا من العرب الأقحاح.
أناشد فيك ياخوان غويتسولو، أنت وجان جينيه، روحكما العربية، وإنسانيتكما، أناشدكما أيها الطريدان أن انهضا! وأهيلا التراب عنكما، وأصيخا السمع مليّاً، فإن غزّة أرض العزّة تذبح والناس نيام
أستحلفك بالله أن توقظ جان جينيه وتخبره أن القتلة بغوا واستكبروا، وأن الدم الفلسطيني الذي استبيح في صبرا وشاتيلا أيّاماً ثلاثةً يراق في غزّة كلّ يوم منذ عام ونيف. أرجو أن تبلغه (رجاءً) أن الموت لا يزال يكسو وجه الأرض في غزّة، ويتساقط غزيراً من السماء كندف الثلج في قرّ الشتاء، وأن تسأله، بالنيابة عني، وعن كلّ أهل غزّة وأحرار العالم، كم يلزم من القماش لدفن هذا الكمّ من الشهداء؟ وكم من التوابيت والصلوات؟
سأتوقّف عن الكتابة الآن. إنها ساعة القيلولة أزفت، ولن أفسد عليك غفوتك ثانيةً، لكن رجاءً، حينما تستيقظ وتفرك عينيك، وتملأ رئتيك برائحة أعشاب الكستناء وزهرة البيكونيا، حاول أن تتذكّر غزّة.
العزيز خوان..
يا دفين العرائش. يا من ولد في زمن الحرب والقتل. يا عدو الظلم والاستبداد، يا ابن المنافي، أعرف أنك لم ترحل، لم تبرح أمكنتك اللامتناهية، وطيفك الشفيف لا يزال يسير بيننا متأمّلاً خيباتنا، يجولُ في ذاكرتنا وتاريخنا صامتاً مقطّب الحاجبين كدأبه، يعتب علينا نكوصنا وضعف نفوسنا.
أرجو، عزيزي خوان، أن تعلم أن التاريخ يُزوَّر، والجذور تُجتثّ، والأرض تنهب، وشهود الزور، عرباً وعجماً، حملوا أقلامهم واستلّوا سيوفهم وخناجرهم المسمومة من أغمادها ليطعنونا في قلوبنا مثلما يُطعن نبات الصبّار في أرض جرداء قاحلة. اعلم أيضاً أننا لا نقوى (رغم مأساتنا وهوْل ما حلّ بنا) أن نواجه قتلتنا، ولا أن ننظر في عيونهم الوقحة. ومع ذلك، ثمّة فينا من لا يزال معلّقاً بحبال أحلامنا الصغيرة، وبرائحة ترابٍ أرضنا الندية.
العزيز خوان..
أناشد فيك أنت وجان جينيه روحكما العربية، وإنسانيتكما، وما حفظتما من صور وذكريات في دروب القاهرة وحارات القدس وأزقّة طنجة ومراكش، وكلّ أرض طيّبة احتضنتكما، أناشدكما أيها الطريدان أن انهضا! انهضا من قبريكما، وأهيلا التراب عنكما، وأصيخا السمع مليّاً، فإن غزّة أرض العزّة تذبح والناس نيام.
* العربي الجديد



