الكاتب : حيدر الغزالي
دخلت الإبادة أوج مراحلها دمويةً، مرحلة تحفّزَ فيها الصهيوني للدم أمام مغريات الصمت الدولي، والعجز عن إيقاف المحرقة ومحاسبة الجناة. إبادة هي الأقذر في التاريخ الحديث، ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي فيها حتى لحظة كتابة هذه السطور إلى 53 ألفاً و762 شهيداً، و122 ألفاً و197 مصاباً، منذ أكتوبر/ تشرين الأول (2023)، حسب ما أفادت وزارة الصحّة في غزّة. ووفقاً لبيانات الأقمار الاصطناعية في ديسمبر/ كانون الأول السابق، فإن ثلثَي المباني في غزّة قبل الإبادة (أكثر من 170 ألف مبنى) تهدّمت أو سوّيت بالأرض. وهذا يعادل حوالي 69% من إجمالي المباني في قطاع غزّة. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن هذا الإحصاء يتضمّن ما مجموعه 245 ألفاً و123 وحدةً سكنية. وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إن أكثر من 1.8 مليون شخص يحتاجون حالياً إلى مأوىً في غزّة.
ذلك كلّه وأكثر، يُواجه بثقافة مضادّة تبرّر الموت، تجمّله باسم الدين والجنّة، مفاوض يُطفئ النار بالبنزين مقتنعاً أنّ النار ستكفّ عن ولادة الحرائق. مجاعةٌ تفتتح المشقّة في جراح التيه، تذيب الشعب والمدينة أمام شهادة البحر، الذي صار دمعاً منذ الجريمة الأولى في التاريخ، وغرق في الملح. إبادة تفتّت مسلّمات الجياع، وتوقف الوطن والمقدّسات أمام محكمة الرغيف، الذي يعجز الآباء في غزّة عن إحضاره لأطفالهم. يصرخُ الناس في غزّة وينذرون بتلويحة الغريق أن أفشِلوا عجلةَ الإبادة بأيّ ثمن، فإنه لا أقدس من الإنسان، وأنّ حلاً يفرز واقعاً سيئاً، لن يكون أسوأ ممّا نعيشه الآن.
شعبٌ يعيش الموت، وينزح، يرزخُ تحت نارٍ ولهيب، ويفاوض باسمه مفاوض يَعدُه بحياةٍ أفضل، وتعليم جيّد، وسلام دائم، وشربة ماء... في الجنّة
احتلال يقضم الأرض بلا رادع، يُنشئ المعسكرات، وينسف البيوت، يطوّق المدينة الزنزانة بالنار والمجاعة، ويُطرّز سماءها بنار الطائرات. عائلاتٌ تمحى أسماؤها من السجلّ المدني، وأحياء يودّعون في النار آباءهم، أمهاتهم، أبناءهم، أصدقاءهم، أحبابهم، فيخاطبهم سياسي "فلسطيني" مفاوض، يُتوقع منه خطاب مضادّ للإبادة، داعم لشعبٍ في الشوارع، شاعر بحرارة الدم: "الشهداء نعيد إنتاجهم" .
يجيب الفلسطيني لا، فيُخوَّن من شخص لم يذقِ النار، جالساً في فراشه الوثير، بين أبنائه في البيت. آمنٌ يُخوّن جائعاً، آمن يخوّن نازحاً، عاجزٌ يفضح خذلانه. وهكذا يدور المشهد، والدبابة الإسرائيلية تقرّر مكانَ دخولها، فتدخله من دون صدّ، سنّتها التي تمارسها منذ البداية، تجرّ الناس نازحين، مع تعبهم، إلى متّسع في رصيف ينامون فيه. يلوّح الاحتلال بخطّة "عربات جدعون"، يقسّم المدينة كيف شاء، يحاول أن يجرّ الشعب جنوباً تحت سوط المجاعة والنار، إلى رفح، حيث أقام فعلاً معسكرات أميركية، توزع هناك حصرياً ما يشبه المساعدات، جيشٌ يحتجز إرادة المعابر، يطوّق الأرض ويقضمها، ما الذي سيمنعه من تنفيذ ما يريد؟
يقولها الآن صريحةً رئيسُ حكومة الاحتلال: "لسنا جاهزين لوقف الحرب، إلا أن تسلّم حماس سلاحها، وتخرج من غزّة". تواجه حركة حماسُ الحزبُ رغبته بأن ترفض تسليم سلاحٍ، كان صِفراً في معادلة الأرض وضغط المفاوضات، وتغادر. وتعوّل عياناً ووضوحاً بدلاً من ذلك على زيادة إجرام العدو وردّة فعل العالم إزاءه، العالم ذاته الذي حركَ جيوشَ إدانته، وقنابل قلقه، إزاءَ الدم على الجدران. هل السلاحُ فعّال ليقف عائقاً أمام النهاية؟ أتموت الشعوب لتحمي بارودةً، أم تتفجر البواريد من أجل الصغار؟ شعبٌ يعيش الموت، وينزح، يرزخُ تحت نارٍ ولهيب، وهُويَّة عطشى للجريمة، جاءت لتنفي الفلسطيني ووجوده، رغبةً في بناءِ دولةٍ مزعومةٍ، ويفاوض باسمه مفاوض يَعدُه بحياةٍ أفضل، وتعليم جيّد، وسلام دائم، وشربة ماء... في الجنّة. مأساة مشرّعة وواضحة، لا تقبل التأويل المؤدلج، ولا الرؤى الضيّقة. باسم الوطن، باسم الإنسانية، باسم الديانات كلّها، باسم السياسة، باسم العقل، باسم المنطق والواقع، لا تؤوّل المأساة، إلا بالمأساة، ولا بطولة ولا جمالية في ذلك. والحياد عن هذا الطريق خيانة، ونشاز عن رواية المظلمة. فهل لا يزال الفلسطيني يمتلك قدرة المناورة، وإنهاءَ الإبادة؟... نعم ونعم.. ومن حقّ الذبيح على ولي أمره أن يخوض من أجله الطرق كلّها، وألا يمارس غباءه المعرف بانتظار نتيجة مخالفة، من الطريق ذاته كلّ مرّة. فلنتفق أنّ حماسَ حزبٌ، والحزب يضحّي من أجل الجماعة، لا العكس. فلنتفق، أنّ السلاح الذي ألبسنا شعاراتٍ فضفاضة وجيّش ضعفنا، لم يوقف مجزرةً، لم يمنع دبابةً، فمَن أولئك الجنود الذين خرجوا من مدرعاتهم إلى بيوتنا وأجسادنا؟
إذن، فلنسدّ ذريعة الموت، مستغلّين حالة السخط الأوروبي إزاء ممارسات الاحتلال الإجرامية، وتعاطفاً مع حالة إنسانية تثقل كاهل الغزّيين، إنها فرصة لا تفوّت، تتطلّب قراءةً حمساويةً مسؤولة للمشهد، تركل خطاب المناكفة، وتدرك أن المجتمع الدولي مدين بالتزامات عدّة للفلسطينيين، لن نحصل عليها إلا من خلال الجهة الرسمية والمعترف بها، ممثلةً بمنظّمة التحرير الفلسطينية.
ظهرت أخيراً أنباء تشير إلى اقتراب التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار ينفّذ على مراحل. الطريقة نفسها التي أدير بها الاتفاق الأخير، والضامنون ذاتهم، الاتفاق الذي تنصّل منه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بعد انتهاء المرحلة الأولى منه، ما يشير إلى فشل المفاوض الحمساوي في فرض التزامات حقيقية، مرتكزة على حلول سياسية إبداعية، تتمثّل بأسس أمميةً وعربيةً، لتنفيذ صفقة شاملة، تعرّي جسد الاحتلال من ذرائعه.
يصرخُ الناس في غزّة بتلويحة الغريق أن أفشِلوا عجلةَ الإبادة بأيّ ثمن، وأنّ حلاً يفرز واقعاً سيئاً، لن يكون أسوأ ممّا نعيشه الآن .
وكاتب هذه السطور، من تحت أمطار الطائرات، ولهيب الجوع الذي يعقّد اليباب في أجسادنا، أقترح أن تلقي "حماس" رسمياً بملف غزّة في حضن العرب، في حضن جامعة الدول العربية، وتعلن استعدادها التام للغياب السياسي والعسكري في غزّة، والخروج، وتسليم السلاح لإدارة عربية/ فلسطينية فقط. خطوة تظهر أنها مجازفة، لكنّها ليست أقلّ مجازفةً من الرهان على الدم والإجرام ورقةَ ضغط، واستراتيجيةً تفاوضيةً. خطوةٌ تدفع طاولة المفاوضات، وتضع العرب أمام التاريخ والأمر الواقع. ولتطلب "حماسُ" من شعوب العرب أن يتركوا لحافهم، وزناد هواتفهم، لشدّ الرحال نحو عتبة بيوتهم، إلى الشوارع، لتثقيف ممارسة حكوماتهم تجاه ملفّ غزّة، وإيقاع الضغط عليهم، مهما صاحب ذلك من مخاطر... حلٌّ مسؤول، يضع الجميعَ أمام التزامه، ويُسقِط إن فشل قناعَ العروبة الأخير.
أيها الناس، أيها الساسة، لقد حان وقت المجازفة، الدبابةُ جائعة للدم، وفلسطين في قلوب الأحياء لا في المقابر، والوطن مهما قَرُب، سيبقى دائماً على مسافةِ رغيف خبز.



