الكاتب : اياد أبو روك
في هذا الركن البعيد من اوروبا حيث تبدو الحياة مستقرة وسماء النرويج تمطر رويتنا وهدوءا ظهرت بيلا . ليست بطلة رواية ولا ناشطة تتصدر الشاشات. بل مجرد طفلة كردية في الثالثة عشرة من عمرها ولدت في النرويج لكنها حملت في قلبها ما لا يحمله كثير من الكبار: ايمان نقي بالعدالة لا تسنده تجارب الحرب بل تغذيه فطرة الانسان حين لا تشوه. .
بيلا القادمة من جذور كردستانية عريقة نشأت في بيت يحاول كغيره ان يعيش حياة طبيعية في بلاد الشمال النرويجي لكن شيئا ما في هذه الطفلة كان مختلفا. حين سمعت باسم غزة لأول مرة لم تكن تملك خريطة توضح لها اين تقع. لكنها عندما رأت صور الاطفال تحت الانقاض، لم تسأل عن الموقع، بل سألت السؤال الاهم: لماذا لا نمنع ذلك؟ لماذا لا نقاطع من يفعل هذا؟ من هنا بدأت حكايتها. ليست حكاية طفلة متأثرة بصور حزينة على مواقع التواصل، بل حكاية وعي مبكر يترجم المشاعر الى سلوك. بيلا لم تكتف بالحزن ولم تذرف دمعة وتنساها في اليوم التالي. بل قررت ان ترفض وتعلن رفضها. ان تقاطع وتدعو غيرها للمقاطعة. ان تحول المطبخ الى ميدان مقاومة ومائدة الطعام الى مرآة للضمير.
في كل مرة ترى فيها منتجا اسرائيليا في البيت تبدأ المعركة. ليست معركة صراخ بل معركة اقناع ورفض واصرار طفولي مذهل. تقول لوالدها الكردي الذي يحمل بدوره ارثا من المآسي والشتات ان شراء هذه المنتجات خيانة لدماء الاطفال. تبكي احيانا تعاند احيانا، لكنها لا تتراجع. وكأنها خلقت لتحرس القيم لا لتنتظر من يعلمها اياها.
وحين تحدث والدها عنها قال جملة بقيت عالقة في ذهني:
ابنتي تعلمني كل يوم ان اكون انسانا أفضل. بيلا جعلتني استحي من صمتي.
في المظاهرات التي خرجت لدعم فلسطين، اصرت بيلا ان تكون هناك. وسط الجموع رفعت علما اكبر منها وهتفت بما تعرفه من كلمات. لم تكن تفهم السياسة بتفاصيلها لكنها تفهم ان الطفل الذي يقتل ظلما يشبهها في العمر وربما في البراءة لكن ليس في الحظ.
ما يميز بيلا ليس انها تعرف كل شيء بل انها تتصرف بما تعرف دون ان تنتظر ان تصبح خبيرة او مثقفة. وهذه ميزة من لا تلوثهم الحسابات من لم يتورطوا في الصفقات الاخلاقية التي أصبح الكبار يتقنونها.
لكن ما يضاعف وقع حكاية بيلا هو انها تضعنا نحن العرب في الشتات امام مرآة صادقة ومؤلمة. فكثير من العائلات العربية المقيمة في اوروبا رغم انها أقرب عاطفيا وجغرافيا وثقافيا الى فلسطين تستهين بفكرة المقاطعة وتواصل شراء المنتجات الداعمة للاحتلال دون وعي او اكتراث وأحيانا تبرر ذلك بقلة الخيارات او بعدم تأثير الامر.
تطفئ بعض تلك العائلات شاشات الاخبار فور انتهاء المجازر وتطفئ معها حس المسؤولية. تغلف ضميرها بطبقات من التبرير وتكتفي بالتعاطف اللفظي بينما ينسكب الحبر الاحمر على فاتورة الشراء.
وهنا تصبح بيلا رغم صغرها وبعدها عن الارض المحتلة أقرب الى الموقف الاخلاقي الصحيح من كثيرين يفترض انهم يحملون فلسطين في اسمائهم وهوياتهم.
في مجتمع اوروبي لا يحمل الاطفال اعباء السياسة ولا يشجعهم على الغوص في قضايا دولية تخترق بيلا هذا السياق ببراءتها العنيدة. لا لأنها تريد الشهرة بل لأنها لا تحتمل ان تكمل حياتها اليومية بينما يموت طفل اخر في مكان بعيد
هي لا تعرف الفلسطينيين بأسمائهم ولا تفهم خلفيات الصراع لكنها فهمت ان هناك جرحا عميقا في الضمير الانساني وان الصمت لا يداويه. ولذلك، اختارت ان تبدأ من ابسط نقطة: ان تغير سلوكها، وتلهم من حولها، وتعيد للأسرة كلها البوصلة.
ومن بيتها الصغير تبدأ الدروس. دروس لا تلقى في المدارس بل تعاش. مناهجها ليست مقررات رسمية بل مواقف. ونتيجتها النهائية ليست درجات بل تغيير حقيقي في سلوك اسرتها ومحيطها. بيلا تحولت من طفلة تربى الى مربية ضمير لعائلة بأكملها.
في زمن الاستهلاك الاعمى والانشغال بالتفاهة والخوف من اتخاذ موقف تخرج بيلا كأنها صفعة هادئة على وجه العالم. لا تكتب على تويتر ولا تملك حسابات ضخمة على انستغرام، لكنها تحدث تأثيرا حقيقيا، لأنها تعيش ما تؤمن به.
والمفارقة الكبرى ان هذا الحس العالي بالعدالة نبت في ارض لم تعرف الحرب. ربما لان البعد عن الخطر يجعل الضمير اوضح، والتناقض اشد حضورا. فبيلا التي تنام امنة في سريرها، تدرك ان هناك اطفالا لا ينامون، او لا يستيقظون. وهذا وحده سبب كاف كي ترفض ان تكون حيادية.
اليوم تمثل بيلا املا نادرا في هذا العالم المرتبك. املا بان جيلا جديدا يمكن ان يعيد الينا المعنى. ليس بالكلام الكبير، بل بالأفعال الصغيرة المتكررة الصادقة.
نحن لا نحتاج الى مزيد من الخطب. نحتاج الى مزيد من بيلا.
نحتاج الى طفولة تربينا من جديد.
الى براءة تفهم ان الانسانية لا تجزأ.
وان الحق لا يحتاج الى جنسية... بل الى قلب.



