آراء

أبعد من الحصار والإعاقة: إرشاد الفئات الخاصة في فلسطين نحو تمكين مستدام"

15 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

 الكاتبة : د. سناء محمد حسين شحادة

مقدمة: 
حين يولد النور من عتمة التحديات
حين تتحدث عن الإنسان في فلسطين، فإنك لا تتحدث عن مجرد رقم في معادلة سكانية، بل عن حكاية صمود تكسر قواعد المستحيل كل يوم. وفي قلب هذه الحكاية، تعيش "الفئات الخاصة" وذوو الاحتياجات الخاصة رحلة مضاعفة من التحدي؛ فهم لا يواجهون فقط متطلبات اختلافهم الجسدي أو الحسي أو العقلي، بل يصارعون بيئة تعج بالتقلبات، والضغط النفسي المتواصل، والصدمات المستمرة. من هنا، لا يعد الإرشاد النفسي والتربوي لهذه الفئات رفاهية أكاديمية ولا تدخلاً عابراً، بل هو طوق نجاة، وجسر حقيقي يعبر به الإنسان نحو كرامته، استقلاليته، وقدرته على ترك بصمته. إنه فن صناعة الأمل حين يشتد الحصار، والعلم الذي يعيد ترتيب ملامح الحياة حين يهددها الانهيار.
التحديات الواقعية التي تواجه الفئات الخاصة في البيئة الفلسطينية
لا يمكن فصل واقع الفئات الخاصة في فلسطين عن السياق العام المحيط بها، حيث تتشابك العقبات لتشكل لوحة معقدة ومترابطة، أبرزها:
 * محدودية البنى التحتية الدامجة: النقص الملحوظ في التجهيزات والمرافق المتاحة في المؤسسات التعليمية والمجتمعية لتلبية الاحتياجات الخاصة بشكل كامل.
 * الوصمة الاجتماعية: بعض الاتجاهات المجتمعية السلبية أو الشفقة المفرطة التي تحول دون منح الفرد استقلاليته الكاملة وقدرته على الكفاءة الذاتية.
 * الصدمات المضاعفة والأزمات المستمرة: إن البيئة الضاغطة والحروب والتوترات الدائمة تعرض هذه الفئات وأسرهم لصدمات نفسية حادة تضاعف من حدة التهميش والشعور بالهشاشة.
 * الاستنزاف الأسري (الاحتراق النفسي): تحمل الأسرة (وخاصة الأمهات) عبء الرعاية المستمرة دون دعم كافٍ، مما يؤدي إلى استنزاف طاقاتهم النفسية والجسدية وشح الموارد التخصصية مقارنة بحجم الحاجة الفعلية في الميدان.
مرتكزات نموذج الإرشاد الفعال (رؤية مقترحة لتغيير مستدام)
لضمان نجاح التدخلات الإرشادية وإحداث فارق حقيقي في الميدان الفلسطيني، لا بد من تبني مقاربة شاملة تقوم على المرتكزات الآتية:
 * النموذج البيئي-النسقي (Ecological-Systems Approach):
   النظر إلى المسترشد ضمن بيئته المحيطة (الأسرة، المدرسة، المجتمع المحلي)، حيث لا يمكن فصل المشكلة عن محيطها الاجتماعي، ويصبح إرشاد الأسرة جزءاً لا يتجزأ من إرشاد الفرد نفسه.
 * التمكين والتمركز حول نقاط القوة (Strength-Based Counseling):
   التركيز على ما يملكه المسترشد من قدرات ومهارات كامنة، والانتقال من عقلية "العجز والاحتياج" إلى عقلية "الكفاءة والإسهام".
 * التدخل المرتكز على الإسعاف النفسي الأولوي (PFA):
   الاستجابة الفورية للصدمات والأزمات الطارئة لبناء شعور بالأمان والاستقرار النفسي المؤقت كخطوة أولى تسبق أي إرشاد عميق.
 * رعاية "الرعاة" (مواجهة الاحتراق النفسي للأسر):
   تصميم برامج دعم نفسي موجهة للأمهات والآباء لحماية خط الدفاع الأول عن المسترشد وتخفيف عبء الرعاية المستمرة.
 * توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المساندة:
   دمج التطبيقات الذكية، وبرامج الدعم الرقمي، وتقنيات التعلم عن بُعد؛ لتجاوز عوائق الجغرافيا ونقص المراكز التخصصية، مما يفتح آفاقاً واسعة للاندماج.
دور المرشد التربوي والاجتماعي: من غرف الإرشاد إلى الميدان
لا يقتصر دور المرشد في التعامل مع الفئات الخاصة على الجلسات الفردية داخل الغرفة الإرشادية، بل يتعداه ليكون منسقاً مجتمعيّاً ومحامياً عن حقوق هذه الفئات. يشمل ذلك:
 * بناء خطط إرشادية فردية (IEP) متسقة مع الاحتياجات الخاصة لكل حالة.
 * توجيه الأسرة وتقديم الدعم النفسي المستمر لها.
 * توظيف التكنولوجيا الحديثة وأدوات الدعم الرقمي المتاحة لتيسير عملية التواصل والمتابعة.
 * التحول نحو المناصرة المجتمعية (Advocacy): الخروج من جدران الغرفة الإرشادية ليصبح صوتاً مدافعاً عن حقوق هذه الفئات، ومشربكاً للجهود بين المدارس، والمؤسسات الحقوقية، ومؤسسات المجتمع المحلي لتوفير خدمات تأهيلية تكاملية.
خاتمة: وصية الأمل التي لا تتبدد
في نهاية المطاف، يبقى إرشاد الفئات الخاصة في فلسطين اختباراً حقيقياً لنسيجنا الإنساني والأخلاقي؛ فهو رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة. إن كل خطوة دعم، وكل جلسة إرشادية، وكل خطة دمج ناجحة، ليست مجرد مهنة تؤدى، بل هي إعلان بأن الحياة تستحق أن تعاش بكل تفاصيلها. وحين نمد أيدينا لنمسك بيد طفل أو شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، فنحن لا نساعده هو فحسب، بل نعيد ترميم جزء من روح هذا المجتمع، لنثبت للعالم أجمع أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في بيئة تعجز عن احتضان الاختلاف. ويبقى الأمل في فلسطين شجرة جذورها في عمق الأرض، وفروعها تلامس السماء.
*باحثه في سلك الدكتوراة 
*اخصائيه ومرشده نفسيه تربوية