آراء

 اطروحة في تأجيل المؤجل ... والشعب رهينة ترتيب البيت .. 

68 مشاهدة قراءة 34 دقيقة

الكاتب : يونس العموري 

لم نكد ننتهي من الحديث عن تأجيل المؤجل حتى جاءنا التأجيل الجديد ليؤكد أن لدينا في الحياة السياسية الفلسطينية ما يكفي من المواعيد كي لا نصل إلى موعد، وما يكفي من القرارات كي لا نضطر إلى تنفيذ قرار، وما يكفي من الأسباب الوطنية كي نبقى خارج الاستحقاق الوطني. ففي السابع من أيلول الماضي كتبنا عن التأجيل بوصفه طريقة لإدارة ما لا نريد حسمه، وعن تلك البراعة السياسية التي تجعلنا نؤجل الاستحقاق ثم نؤجل تأجيله، ونحدد أجلا جديدا كي نمنح المؤجل عمرا إضافيا، ونحتفل بأننا ما زلنا نملك موعدا في المستقبل. وقلنا إننا أصبحنا نؤجل الفشل والحساب والاعتراف والسؤال، حتى صار التأجيل نفسه إنجازا سياسيا يستحق أن يروى للأجيال. لم نكن نعرف يومها أن المرسوم الرئاسي الجديد سيأتينا بهذه السرعة، ليضع كلامنا أمام امتحان جديد، ويمنح قاموس التأجيل مادة إضافية، ويؤكد أن ما كان مؤجلا لم يكن ينتظر حلا بقدر ما كان ينتظر أجلا آخر. لقد تقرر إلغاء موعد الانتخابات التشريعية الذي كان محددا في الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، والدعوة إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن في الحادي عشر من أيلول 2027. وهكذا انتقلنا من موعد إلى موعد، ومن استحقاق إلى استحقاق مؤجل، ومن وعد بالتجديد إلى سنة إضافية من الانتظار. لم يعد السؤال متى ستجرى الانتخابات فقط، بل كيف أصبح تأجيلها ممكنا مرة أخرى، ومن قرر أن الشعب الفلسطيني يستطيع أن ينتظر عاما آخر، ومن أعطى أصحاب القرار حق التصرف بأعمار الناس وكأنها رصيد احتياطي في حساباتهم السياسية؟

إننا لا نتحدث عن انتخابات عادية تأجلت في دولة مستقرة بسبب عطل فني أو ظرف طارئ، ولا عن استحقاق دوري يمكن تعويضه في موعد قريب من دون أن تترتب على غيابه نتائج سياسية كبيرة. نحن نتحدث عن شعب لم يعرف انتخابات تشريعية منذ عام 2006، ولم يعرف انتخابات رئاسية منذ عام 2005، وعن مؤسسات تعطلت أو تآكل دورها، وعن انقسام سياسي وجغرافي طال أمده حتى صار جزءا من حياة الناس، وعن نظام سياسي يطالب المجتمع بالثقة بينما يحرم هذا المجتمع من إحدى أهم أدوات تجديد الثقة والمساءلة. نحن نتحدث عن جيل كامل ولد وكبر ودخل الجامعات وسوق العمل، وربما أنجب أطفالا، من دون أن تتاح له فرصة المشاركة في انتخابات عامة يختار فيها ممثليه ويحاسب من يتولى إدارة شؤونه. ثم يأتي المرسوم ليطلب من هذا الجيل أن يضيف عاما آخر إلى قائمة الانتظار، وكأن السنوات السابقة كانت فترة تدريب على الصبر، وكأن من حق السلطة أن تمدد الوقت كلما اقترب الاستحقاق، وكأن الشعب لم يعد مواطنا له حقوق سياسية، بل جمهور مطلوب منه أن يتفهم قرارات الآخرين مهما طالت المدة ومهما اتسعت الفجوة بين الوعود والواقع. أي معنى يبقى للانتخابات حين يصبح موعدها قابلا للإلغاء كلما اقترب، وأي معنى يبقى للشرعية حين لا تجد طريقها إلى التجديد، وأي معنى يبقى للحديث عن الإصلاح حين يظل الإصلاح نفسه خارج الموعد؟

جاءت التبريرات الرسمية لتعيد إلى الواجهة الاحتلال والقيود الإسرائيلية، والاعتداءات والاستيطان، والأوضاع في القدس وغزة، وصعوبة تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات شاملة وحرة ونزيهة. وهذه العناوين ليست جديدة على الفلسطينيين، كما أنها ليست مجرد تفاصيل يمكن تجاهلها. لكن الجديد الذي يستحق السؤال هو كيف تتحول الوقائع التي نعيشها منذ سنوات إلى مبررات لتأجيل استحقاق سياسي جديد، من دون أن نرى مسارا واضحا يضمن أن هذه المرة ستكون مختلفة. الاحتلال موجود، والاستيطان يتوسع، والقدس تتعرض للتهويد، وغزة تعيش كارثة إنسانية، والقيود الإسرائيلية على الحياة الفلسطينية ليست سرا يحتاج إلى اكتشاف. فهل اكتشفنا كل ذلك الآن؟ وهل كانت هذه الوقائع غائبة حين صدر المرسوم السابق وحدد موعد الانتخابات؟ وإذا كانت معروفة، فلماذا حدد الموعد أصلا من دون ضمانات كافية؟ وإذا ظهرت مستجدات حالت دون التنفيذ، فأين الخطة البديلة التي تحول دون تكرار المشهد؟ أما إذا كانت الظروف معلومة سلفا، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: على أي أساس حدد الموعد الأول، وعلى أي أساس اختير الموعد الجديد، وما الذي يضمن ألا نعود إلى النقطة نفسها عندما تقترب ساعة الاستحقاق المقبل؟

ليس المطلوب أن نتجاهل الاحتلال، ولا أن نمنحه براءة من مسؤوليته عن تعطيل الحياة الفلسطينية، بل المطلوب ألا يتحول الاحتلال إلى مظلة سياسية واسعة يستطيع الجميع الاحتماء بها كلما اقترب موعد المساءلة. فالاحتلال لا يحتاج إلى تبرير كي يواصل سياساته، ولا ينتظر موافقة الفصائل كي يصادر الأرض أو يوسع الاستيطان أو يفرض القيود. إنه يمارس ما يمارسه، فيما يظل الفلسطيني مطالبا بأن يواجه هذا الواقع بقيادة تمتلك شرعية متجددة ومؤسسات فاعلة وقدرة على اتخاذ القرار. أما أن يصبح الاحتلال سببا لتأجيل الانتخابات، ثم يصبح استمرار غياب الانتخابات سببا لتعطيل المساءلة، ثم يصبح غياب المساءلة عاملا في استمرار الأزمة، فهذه دائرة لا يجوز التعامل معها بوصفها قدرا لا يمكن كسره. لا أحد يطالب السلطة بأن تهزم الاحتلال بمرسوم انتخابي، لكن من حق الناس أن يسألوا لماذا تعجز الحياة السياسية الفلسطينية عن تجديد نفسها في الوقت الذي تتطلب فيه مواجهة الاحتلال أقصى درجات التماسك والمشاركة والمساءلة. وإذا كان الاحتلال يستطيع منع الانتخابات في القدس أو عرقلة إجرائها في غزة، فهل يعني ذلك أن يظل النظام السياسي الفلسطيني معلقا إلى أجل غير معلوم؟ وهل المطلوب أن ننتظر موافقة الاحتلال كي نقرر أن للشعب حقا في اختيار من يمثله؟ أم أن علينا أن نواجه الاحتلال سياسيا، ونضع خياراتنا أمام الناس، ونحدد مسؤولياتنا، بدلا من أن يتحول التعذر إلى جواب نهائي عن كل سؤال؟

ثم دعونا نصل إلى المسألة التي يبدو أنها أكثر إزعاجا من الحديث عن الاحتلال والظروف الصعبة ..  مسألة الفصائل ومصالحها وترتيب أوضاعها. فكلما اقترب استحقاق انتخابي، ظهرت قائمة من الشروط والمطالب والمراجعات، وارتفعت أصوات تتحدث عن ضرورة ترتيب البيت الوطني، وإعادة تنظيم البيت الفصائلي، ومراجعة القوانين، واستكمال الحوار، وضمان التوافق، ومعالجة الخلافات، وتوفير الظروف المناسبة. وهي عناوين تبدو جميعها مهمة في ذاتها، لكن السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه هو .. متى ينتهي ترتيب البيت؟ ومن يحدد أن هذا الترتيب قد اكتمل؟ ومن يملك حق تحويله إلى شرط دائم لممارسة الشعب حقه في اختيار ممثليه؟ لقد سمعنا عن ترتيب البيت الفلسطيني سنوات طويلة، وسمعنا عن المصالحة سنوات أطول، وسمعنا عن إصلاح النظام السياسي وإعادة بناء المؤسسات وتوحيد القرار الوطني حتى أصبحت هذه المفردات جزءا ثابتا من الخطاب السياسي، فيما بقيت النتائج أقل بكثير من الوعود. فهل سنحتاج إلى سنة أخرى لترتيب البيت، ثم نكتشف عند اقتراب الموعد أن غرفة ما لم ترتب، أو أن خلافا ما لم يحل، أو أن قانونا ما يحتاج إلى مراجعة، أو أن الظروف لم تنضج بعد؟ ومن قال إن البيوت التي لم تترتب خلال كل هذه السنوات ستترتب خلال عام إضافي؟ ومن أقنعنا بأن المشكلة تكمن في ضيق الوقت، لا في طريقة إدارة الخلافات والمصالح والمواقع؟

إن ترتيب البيت الوطني ليس جريمة، وإصلاح الفصائل ضرورة، والحوار بين القوى لا يمكن الاستغناء عنه. لكن أن يصبح ترتيب البيت شرطا لتجديد الشرعية، ثم يتحول هذا الشرط إلى سبب لتأجيل الانتخابات، فهذه مفارقة سياسية لا يجوز المرور عليها. فمن الذي قرر أن الشعب يجب أن ينتظر حتى تنتهي الفصائل من ترتيب أوضاعها؟ وهل أصبح المواطن الفلسطيني رهينة للخلافات التنظيمية، ولحسابات المواقع والمراتب، وللخشية من نتائج قد لا تأتي كما تشتهي القيادات؟ وهل تحولت الانتخابات من حق للشعب إلى استحقاق لا يسمح به إلا عندما تطمئن القوى إلى أوضاعها؟ إن الانتخابات، في معناها الحقيقي، ليست مناسبة تمنح الفصائل فرصة لإعادة ترتيب مواقعها وفق ما يناسبها، بل هي الآلية التي يقرر الناس من خلالها من يستحق أن يكون في موقع القرار. ولذلك، فإن جعل ترتيب الفصائل شرطا سابقا للانتخابات يقلب العلاقة رأسا على عقب .. بدلا من أن يختار الشعب ممثليه، يصبح على الشعب أن ينتظر حتى تتفق القوى على الظروف التي تسمح له بالاختيار. وبدلا من أن تكون الفصائل في خدمة الحياة السياسية، تصبح الحياة السياسية معلقة على حساباتها. وبدلا من أن يكون التنافس الانتخابي وسيلة لحسم الخلافات سلميا، يصبح الخلاف بين القوى سببا لتعليق الاستحقاق الذي يفترض أن يتيح للناس التعبير عن خياراتهم.

هنا بالضبط يبرز السؤال الذي ينبغي أن يقال بلا مواربة .. هل تقاطعت مصالح بعض القوى والفصائل، موضوعيا على الأقل، مع قرار التأجيل؟ لا نحتاج إلى اختراع مؤامرة ولا إلى توزيع اتهامات جاهزة كي نطرح هذا السؤال. يكفي أن ننظر إلى النتائج السياسية للقرار. فالانتخابات المؤجلة تعني أن القوى القائمة تبقى في مواقعها من دون اختبار انتخابي جديد، وأن الحسابات التنظيمية تحصل على وقت إضافي، وأن القوى التي قد تتغير أحجامها أو مواقعها في صندوق الاقتراع لا تواجه هذا الاختبار الآن، وأن المواطن يبقى محرومًا من آلية مباشرة لتجديد ممثليه ومحاسبتهم. فإذا كانت هذه هي النتائج، فمن حق الناس أن يسألوا عما إذا كانت المصلحة الوطنية وحدها هي التي حكمت القرار، أم أن بعض المصالح التنظيمية وجدت فيه، ولو من دون اتفاق مسبق على ذلك، مساحة إضافية للبقاء وإعادة الحسابات. إن القول بتقاطع المصالح لا يعني بالضرورة أن جميع الأطراف اتفقت سرا على التأجيل، ولا يعني أن دوافعها واحدة، لكنه يعني أن النتيجة قد تخدم مواقع قائمة حتى عندما تختلف التبريرات المعلنة. وهذه بالضبط وظيفة المساءلة السياسية .. أن نسأل من يستفيد من القرار، ومن يتحمل كلفته، ومن يبقى في مكانه، ومن يفقد حقه في الاختيار، ومن يملك تفسير ما حدث للناس بدلا من مطالبتهم بالاكتفاء بالتفهم.

وإذا كانت القيادة ترى أن التأجيل ضرورة، وإذا كانت الفصائل ترى أن الظروف لا تسمح بإجراء الانتخابات، وإذا كانت القوى المختلفة تتحدث عن المصلحة الوطنية، فلتضع هذه الأطراف جميعا أمام الشعب خطة واضحة ومواعيد محددة والتزامات يمكن قياسها. أما أن يطلب من الناس الانتظار عاما إضافيا، من دون أن يعرفوا ما الذي سيتغير خلال هذا العام، وما الذي سيجري إن لم تتغير الظروف، وما الذي يمنع تأجيل الموعد مرة أخرى، فهذا ليس حلا للأزمة، بل تمديد لها. إن الموعد الجديد لا يجيب عن السؤال، بل ينقله إلى المستقبل. والمرسوم لا يضمن أن الانتخابات ستجري، بل يحدد تاريخا يفترض أن تجري فيه. وبين تحديد التاريخ وضمان التنفيذ مساحة كاملة من المسؤولية السياسية التي لا يجوز أن تضيع في البيانات والتبريرات. فهل ستنشر الجهات المعنية ما يلزم من خطوات عملية لتجاوز العقبات؟ وهل ستخضع عملية التحضير لمراجعة دورية معلنة؟ وهل ستلتزم القوى بعدم استخدام خلافاتها التنظيمية ذريعة جديدة للتأجيل؟ أم سنكتشف في العام المقبل أن الموعد اقترب قبل أن ينتهي ترتيب البيت، وأن البيت يحتاج إلى ترتيب آخر، وأن التأجيل يحتاج إلى تأجيل جديد؟ إننا لا نريد أن نكون متشائمين، لكن التجربة الطويلة لا تمنحنا سببا كافيا كي نتعامل مع الموعد الجديد باعتباره ضمانة في حد ذاته.

أما الشعب، فليس في وسعه أن يؤجل حياته كما تؤجل القوى مواعيدها. لا يستطيع أن يؤجل غلاء الأسعار، أو فقدان العمل، أو تدهور الخدمات، أو الخوف على مستقبل الأبناء، أو الاعتداءات على الأرض، أو التهديدات التي تطال البيوت والقرى والمدن. لا يستطيع أن يطلب من الاستيطان أن ينتظر حتى تنتهي الفصائل من ترتيب أوضاعها، ولا أن يطلب من غزة أن تؤجل حاجتها إلى الحياة والإعمار، ولا أن يطلب من القدس أن تتوقف عن مواجهة سياسات التهويد حتى ينضج الحوار الوطني. وحده الشعب مطالب بالصبر، وحده يطلب منه تفهم الظروف، وحده يتلقى القرارات بعد اتخاذها، ثم يطلب منه أن يصفق للحكمة السياسية التي جعلته ينتظر مرة أخرى. أما أصحاب القرار، فيملكون ساعة التأجيل وساعة تحديد الموعد، ويملكون نقل الاستحقاقات من سنة إلى أخرى، ثم العودة إلى الجمهور بخطاب جديد يشرح لماذا لم يحدث ما كان مقررا أن يحدث. هذه ليست علاقة سليمة بين السلطة والمجتمع، ولا يمكن أن تكون كذلك. فالمواطن ليس فائضا زمنيا لدى النظام السياسي، وأعمار الناس ليست مهلة إضافية تمنحها الفصائل لنفسها، والحق في المشاركة لا ينبغي أن يبقى رهينة لتوازنات لا يملك المواطن التأثير فيها.

ولعل الكارثة الأعمق في هذا التأجيل أنه يأتي في وقت يتسع فيه الفراغ السياسي الفلسطيني، لا لأن الفلسطينيين فقدوا القدرة على التفكير أو الفعل، بل لأن المسافة بين المجتمع ومؤسساته والقوى التي تتحدث باسمه أصبحت أكثر إيلاما. فالفراغ ليس مجرد غياب مجلس تشريعي منتخب، ولا مجرد غياب انتخابات رئاسية، بل هو غياب آليات المساءلة وتجديد الشرعية، واستمرار القرارات الكبرى من دون مشاركة شعبية مباشرة، وتراجع قدرة الناس على التأثير في المسار السياسي الذي يحدد مستقبلهم. وهو أيضا أن تبقى ملفات المصالحة والإصلاح وإعادة بناء المؤسسات معلقة، فيما يستمر النظام السياسي في إدارة شؤونه اليومية من دون أن يقدم جوابا واضحا عن كيفية الخروج من أزمته. إننا أمام فراغ لا يملؤه بيان، ولا يعالجه مرسوم، ولا تنهيه جولة حوار جديدة ما لم تتحول نتائجها إلى التزامات فعلية. وكلما تأجلت الانتخابات، اتسعت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها السلطة والقوى من دون اختبار شعبي مباشر، وتراجعت قدرة المواطن على المحاسبة، وازداد خطر أن يصبح غياب المشاركة أمرا مألوفا، وأن يتعامل الناس مع الانتخابات باعتبارها وعدا موسميا لا استحقاقا ثابتا.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند العلاقة بين التأجيل والشرعية. فالشرعية لا يمكن أن تبقى إلى الأبد سؤالا مؤجلا، ولا يكفي أن تستند السلطة إلى تاريخ سابق كي تعفي نفسها من الحاجة إلى تجديد التفويض الشعبي. كما أن شرعية الفصائل لا تأتي من بياناتها، ولا من حجم شعاراتها، ولا من تضحيات تاريخية لا ينكرها أحد، بل من قدرتها على تمثيل الناس والتعبير عن مصالحهم والخضوع للمساءلة. ولا يجوز أن تتحول التضحيات الوطنية إلى رصيد سياسي يمنح أي طرف حق البقاء خارج الاختبار الانتخابي إلى أجل غير معلوم. فالتاريخ مهم، والتضحيات مهمة، لكنهما لا يلغيَان حق الأجيال الجديدة في أن تختار من يمثلها، ولا يمنحان أحدا صكا مفتوحا لإدارة الشأن العام من دون تجديد الشرعية. وإذا كانت الظروف الحالية تحول دون إجراء الانتخابات، فإن ذلك لا يسقط الحاجة إليها، بل يجعل الحاجة إلى مسار واضح ومحدد نحوها أكثر إلحاحا. أما أن يبقى الاستحقاق معلقا، ثم يطلب من الناس أن يثقوا بأن الأمور ستتغير في العام المقبل، فذلك يعني أن الثقة مطلوبة من طرف واحد، وأن المسؤولية لا تسير في الاتجاهين.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا .. من يملأ هذا الفراغ؟ هل تملؤه القوى التي لم تستطع الاتفاق على قواعد واضحة لتجديد الشرعية؟ هل تملؤه المؤسسات التي تراجع دورها في غياب الانتخابات؟ هل تملؤه لجان الحوار التي تجتمع وتصدر التوصيات ثم تعود إلى الاجتماع؟ أم يظل الفراغ مفتوحا حتى تتسع دائرة العزوف وفقدان الثقة، ويصبح المواطن أقل اقتناعا بأن مشاركته قادرة على تغيير شيء؟ لا ينبغي أن نستهين بهذه المسألة، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية ليس فقط أن تتأخر الانتخابات، بل أن يفقد الناس الاعتقاد بأن الانتخابات ستحدث أصلا، أو أن حدوثها سيؤدي إلى تغيير حقيقي. وعندما يصل المجتمع إلى هذه النقطة، لا يكون الضرر قد أصاب موعدا انتخابيا فقط، بل يكون قد أصاب معنى المشاركة السياسية، والعلاقة بين المواطن والمؤسسة، والثقة في أن هناك طريقا سلميا وديمقراطيا لمحاسبة من يتولى القرار.

إننا لا نكتب هذه الكلمات لأننا نعتقد أن الانتخابات ستحل وحدها كل مشكلات الفلسطينيين. فالانتخابات لا تنهي الاحتلال، ولا تعيد إعمار غزة بمفردها، ولا تنهي الانقسام بمجرد فتح الصناديق، ولا تضمن أن يصل الأفضل إلى مواقع المسؤولية. لكنها تظل حقا سياسيا وأداة للمساءلة وتجديد الشرعية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مكافأة تمنح للشعب عندما تتفق القوى أو تصبح الظروف مناسبة. إن جوهر المشكلة هو أن الاستحقاق الذي يفترض أن يعيد القرار إلى الناس أصبح هو نفسه خاضعا لقرار القوى ومصالحها وتفاهماتها. وهذا انقلاب في معنى السياسة .. فبدلا من أن تكون المؤسسات والفصائل أدوات لخدمة المجتمع، يصبح المجتمع مطالبا بخدمة شروطها وانتظار ترتيباتها. وبدلا من أن تكون الانتخابات وسيلة لتحديد أحجام القوى، يصبح تحديد أحجام القوى ومواقعها شرطا لإجراء الانتخابات. وبدلا من أن تكون المصلحة الوطنية معيارا للحكم على أداء الفصائل، تصبح المصلحة الوطنية عنوانا واسعا تستطيع كل فصيلة أن تضع تحته ما يناسبها من حسابات ومواقف.

لقد كتبنا في  ( تأجيل المؤجل )  أن التأجيل لا يحل القضية، بل يغير حجمها، وأن ما لا نواجهه اليوم يعود غدا أكثر تعقيدا. واليوم، لا نحتاج إلى إعادة العبارة بقدر ما نحتاج إلى النظر في ما فعلناه بكل هذا الوقت. لقد أجلنا الانتخابات، وأجلنا المصالحة، وأجلنا إصلاح النظام السياسي، وأجلنا تجديد المؤسسات، وأجلنا المحاسبة، ثم أصبحنا نتحدث عن هذه الملفات وكأنها تحتاج إلى مزيد من الوقت كي تصبح قابلة للحل. لكن كم من الوقت نحتاج؟ وكم جيلا ينبغي أن ينتظر؟ وكم مرة يمكن أن نطلب من الناس تأجيل حقهم حتى تنتهي القوى من ترتيب أوضاعها؟ وإذا كانت الفصائل لم تستطع ترتيب بيوتها خلال السنوات الماضية، فما الذي يجعلنا نعتقد أن سنة إضافية ستفعل ما لم تفعله السنوات السابقة؟ وإذا كانت الظروف لم تنضج، فمن المسؤول عن إعداد خطة تجعلها أكثر قابلية للنضج؟ وإذا كان التوافق الوطني ضروريا، فلماذا لا يكون التوافق على طريق واضح نحو الانتخابات، بدلا من أن يكون التوافق على تأجيلها؟

إن أخطر ما في المرسوم الجديد ليس فقط أنه نقل الانتخابات إلى أيلول 2027، بل أنه أعاد إنتاج السؤال الذي لم يعد من الممكن تجاهله .. هل ما زال الشعب الفلسطيني صاحب الحق في تقرير شكل نظامه السياسي واختيار ممثليه، أم أصبح رهينة لمواعيد القوى التي تتحدث باسمه؟ وهل تقاطعت مصالح بعض الفصائل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع استمرار التأجيل، بحيث بقيت مواقعها بعيدة عن الاختبار الانتخابي؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية الفراغ السياسي الذي يتسع كلما غابت الانتخابات وتعطلت المؤسسات وتأخر الإصلاح؟ هذه ليست أسئلة هامشية ولا ترفا فكريا، بل هي أسئلة تتصل بجوهر العلاقة بين الشعب والسلطة والفصائل. ولا يجوز أن تكون الإجابة عنها محصورة في البيانات الرسمية أو في خطاب التطمين، لأن الشعب الذي يدفع ثمن الانتظار يملك الحق في أن يعرف لماذا ينتظر، وما الذي ينتظره، ومن المسؤول عن أن يتحول الانتظار إلى نمط دائم من أنماط الحياة السياسية.

فإذا كان التأجيل ضرورة، فلتعلن القيادة والقوى ما الذي ستنجزه خلاله، وكيف ستواجه العقبات، ومتى ستراجع ما تحقق، ومن سيحاسب إذا لم يتحقق شيء. وإذا كان ترتيب البيت الوطني شرطا، فليكن له سقف زمني واضح، وليكن إصلاح الفصائل شأنا تتحمل مسؤوليته الفصائل نفسها، لا ذريعة لتعليق حق الشعب. وإذا كان الاحتلال هو العائق، فلتكن هناك خطة سياسية معلنة لمواجهة عرقلته، لا أن يبقى اسمه حاضرا عند إعلان التأجيل وغائبا عند الحديث عن المسؤولية عن السنوات الضائعة. وإذا كانت المصلحة الوطنية هي العنوان، فلتخضع كل القرارات لاختبار هذه المصلحة، لا أن تستخدم المصلحة الوطنية لتبرير قرار لا يعرف الناس ما الذي سيقود إليه.

لقد تعب الفلسطينيون من غرفة الانتظار. تعبوا من أن يقال لهم إن الوقت لم يحن، وإن الظروف لم تنضج، وإن البيت يحتاج إلى ترتيب، وإن الحوار يحتاج إلى مزيد من الوقت، وإن المرحلة لا تسمح بالاستعجال. لقد أصبحت هذه اللغة مألوفة إلى حد أنها لم تعد تشرح الواقع، بل صارت جزءا من المشكلة. فكلما اقترب الاستحقاق، ظهر عنوان جديد للتأجيل، وكلما سأل الناس عن الموعد، قيل لهم إن المصلحة الوطنية تقتضي الانتظار. لكن من قال إن المصلحة الوطنية تقتضي أن يبقى الشعب خارج القرار؟ ومن قال إن حماية الوحدة تعني تعليق الانتخابات؟ ومن قال إن ترتيب الفصائل يجب أن يسبق حق الناس في اختيار من يمثلهم؟ ومن قرر أن عام 2027 سيكون مختلفا عن الأعوام التي سبقته، سوى أن المرسوم كتب تاريخا جديدا على الورق؟

الشعب ليس لجنة انتظار، والوطن ليس غرفة عمليات فصائلية، والشرعية ليست ملكية خاصة تورثها المواقع لبعضها بعضا، والانتخابات ليست موعدا يمكن تمديده كلما اقتربت لحظة الحساب. وإذا كانت القوى تحتاج إلى سنة أخرى لترتيب أوضاعها، فمن حق الشعب أن يسأل لماذا ينبغي أن يدفع هو ثمن هذه السنة، ومن يضمن أن الأمور ستترتب بعد مرورها، ومن يمنع أن نجد أنفسنا أمام تأجيل جديد، بذريعة جديدة، وبالخطاب القديم نفسه. إن ترتيب أوضاع الفصائل لا يمكن أن يكون بديلا عن ترتيب العلاقة بينها وبين الشعب، ولا يمكن أن تكون حماية المواقع السياسية أهم من تجديد الشرعية التي تمنح تلك المواقع معناها. وما لم ندرك ذلك، سنظل نؤجل الانتخابات بحجة ترتيب البيت، ونؤجل ترتيب البيت بحجة الوحدة، ونؤجل الوحدة بحجة الظروف، ثم نكتشف أن الشعب وحده هو الذي لم يحصل على فرصة لترتيب مستقبله.

تأجيل المؤجل مرة أخرى لا يعني أننا كسبنا وقتا. إنه يعني أننا منحنا الأزمة سنة إضافية، وتركنا الفراغ السياسي يتسع، وأبقينا حق الناس في المشاركة معلقا على ترتيبات لا يملكون تقريرها. وإذا وصلنا إلى أيلول 2027 ووجدنا أن البيت لم يترتب، وأن الظروف لم تتغير، وأن الحوار لم ينته، وأن الانتخابات تحتاج إلى موعد جديد، فمن سيعتذر للشعب عن السنة التي أضيفت إلى سنوات الانتظار؟ ومن سيحاسب من قرر التأجيل؟ أم سنكتفي مرة أخرى بإصدار بيان يشرح أن المصلحة الوطنية تقتضي مزيدا من الوقت؟

لقد طال بنا الأجل حتى كدنا ننسى لماذا كان هناك أجل أصلا. وبينما ينشغل أصحاب القرار بتحديد المواعيد الجديدة، يواصل الشعب دفع ثمن المواعيد القديمة التي لم تتحقق. وبينما تتحدث الفصائل عن ترتيب أوضاعها، يبقى الوطن بلا تجديد سياسي يوازي حجم أزماته، وتبقى المؤسسات في انتظار شرعية تعيد إليها معناها، ويبقى المواطن مطالبا بأن يثق بمن لا يتيح له فرصة المحاسبة. فهل تقاطعت مصالح القوى والفصائل مع التأجيل؟ ومن يملك الجرأة على الإجابة؟ ومن يملأ الفراغ الذي صنعه غياب الانتخابات واستمرار الانقسام وتأخر الإصلاح؟ والأهم من ذلك كله .. من أعطى الفصائل والقيادات حق أن تجعل الشعب رهينة لانتظار لا يعرف نهايته؟

لسنا بحاجة إلى موعد جديد بقدر حاجتنا إلى نهاية حقيقية لسياسة التأجيل. ولسنا بحاجة إلى مزيد من البيانات التي تشرح لماذا لم يحدث ما كان ينبغي أن يحدث، بل إلى التزامات واضحة تحدد ما الذي سيحدث ومتى، ومن المسؤول عن تنفيذه. أما أن يبقى الشعب الفلسطيني رهينة لترتيب البيت، وأن تبقى الانتخابات رهينة للتوافقات، وأن تبقى الشرعية رهينة لمواعيد قابلة للتغيير، فذلك يعني أن المؤجل لم يعد مجرد ملف على الطاولة، بل أصبح الطاولة نفسها، وأصبح أصحاب القرار يتناوبون الجلوس حولها، فيما يظل الشعب واقفا خارجها ينتظر الإذن بالدخول.

وإذا كان لا بد من سؤال أخير، فهو ليس متى ستجرى الانتخابات فقط، بل إلى متى سيبقى الشعب الفلسطيني يدفع ثمن عجز القوى عن ترتيب أوضاعها، وإلى متى سيظل الفراغ السياسي يتسع من دون أن يتحمل أحد مسؤوليته؟ لقد أجلنا المؤجل مرة أخرى، لكن ما لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية هو سؤال الحساب: ماذا فعلتم بكل هذا الوقت، وماذا فعلتم بحق الناس في أن يكونوا شركاء في القرار، ومن قرر أن انتظار الشعب أقل كلفة من مواجهة استحقاقات السياسة؟ 

فالانتخابات ليست منحة من القيادة، ولا مكافأة من الفصائل، ولا استحقاقا ينتظر اكتمال مصالح القوى. إنها حق للشعب. أما تأجيلها، مرة بعد أخرى، فهو قرار سياسي له كلفته، ومسؤولية لا ينبغي أن تضيع بين المراسيم والتبريرات. ومن حق الفلسطينيين أن يسألوا، بصوت أعلى هذه المرة: إذا كانت القوى لم تنته من ترتيب أوضاعها، فلماذا يجب أن يبقى الشعب معطلا حتى تنتهي؟ وإذا كان الفراغ يتسع، فمن يملؤه؟ وإذا كانت المصالح الوطنية تقتضي التأجيل، فمن يضمن أن مصالح الفصائل لم تجد فيه فرصة إضافية للبقاء؟ وإلى أن تأتي الإجابة، سيظل السؤال قائما، لا مؤجلا هذه المرة، بل مستحقا الآن.