الكاتب : أسامة ناصر / شيكاغو
للعام الثاني على التوالي يتكرر المشهد نفسه في نيويورك: الرئيس الفلسطيني محمود عباس يغيب شخصيا عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بسبب قرار أمريكي بمنعه من التأشيرة. ومع تكرار المشهد يتحول القرار من واقعة منفردة إلى جزء من سياسة تتبدل أدواتها ومبرراتها دون أن تبدو لها استراتيجية واضحة.
المسألة هنا لا تتعلق بالتأشيرة في حد ذاتها. فعندما تستخدم دولة كبرى سلطتها على الدخول إلى أراضيها لمنع رئيس من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة فإنها تحول إجراء الدخول إلى وسيلة ضغط سياسي ودبلوماسي.
في أغسطس/آب 2025 أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو منع وإلغاء تأشيرات أعضاء الوفد الفلسطيني مستندا إلى قوانين وإجراءات أمريكية تتعلق بمواقف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير . لكن الإدارة نفسها عادت بعد أقل من شهر لتخفف القيود عن موظفي بعثة منظمة التحرير لدى الأمم المتحدة مع إبقاء المنع على الوفد الرسمي رفيع المستوى. وهذا التمييز يكشف التوتر بين الرغبة في فرض القيود وبين الالتزامات المرتبطة بعمل البعثات لدى الأمم المتحدة.
وفي 2026 امتد الضغط إلى السفير الفلسطيني رياض منصور الذي تعرض لضغوط لسحب ترشحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة تحت تهديد إلغاء تأشيرته وهو ما استجاب له بالفعل. ثم جاء رفض تأشيرة الرئيس الفلسطيني ليضيف حلقة جديدة إلى السياسة نفسها.
ولا تبدو المبررات الأمريكية مستقرة بدورها. فقد ارتبطت في مراحل مختلفة بقضايا تتعلق بالإرهاب ومواقف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير واللجوء إلى المحاكم الدولية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. وتغير المبررات بهذا الشكل يجعل السياسة الأمريكية تبدو مرتبطة بالظرف أكثر من ارتباطها بمسار سياسي ثابت.
ولم يقتصر الانتقاد لقرار واشنطن بمنع التأشيرات على الجهات التي تعارض سياستها بل صدر أيضا من عواصم أوروبية حليفة. فقد وصف رئيس الوزراء الإسباني القرار بأنه ظالم بينما أكد وزير الخارجية الفرنسي أن اجتماعات الجمعية العامة لا ينبغي أن تخضع لقيود على الوصول إليها كما دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي واشنطن إلى التراجع . وهذه المواقف لا تعني تحولا كاملا في السياسة الأوروبية تجاه واشنطن لكنها تظهر أن القرار تجاوز في أثره حدود العلاقة الأمريكية الفلسطينية.
وفي المقابل واصلت دول أوروبية اتخاذ مواقف مستقلة. ففي سبتمبر/ايلول 2025 أعلنت دول عدة اعترافها بدولة فلسطين من بينها فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والبرتغال ولوكسمبورغ ومالطا. كما واصل الفلسطينيون حضورهم في النقاش الدولي رغم غياب الرئيس شخصيا عن قاعة الجمعية العامة.
ولا يعني ذلك أن هذه التطورات غيرت الواقع على الأرض أو أن الاعترافات وحدها أنتجت تحولا سياسيا شاملا . لكنها تظهر أن الإجراءات الأمريكية لم تكن كافية وحدها لوقف التحرك الدبلوماسي حول فلسطين أو تحديد مواقف الدول الأخرى.
الأهم أن السياسة الأمريكية تحمل تناقضا عمليا : الحديث عن الحاجة إلى مسار سياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتزامن مع استخدام أدوات تضيق المجال أمام التحرك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني. ومهما كان الموقف من السياسات الفلسطينية أو الأمريكية فإن منع المسؤول من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة لا يشكل بديلا سياسيا ولا يلغي قدرة الأطراف الأخرى على مواصلة تحركها.
في المحصلة تستطيع واشنطن تعطيل حضور رئيس مع وفده لكنها لا تستطيع بالوسيلة نفسها التحكم في مسار قضية تتجاوز الأشخاص وتتحرك داخل نظام دولي متعدد الأطراف. وهنا تكمن الفجوة بين استخدام أداة ضغط وبين تحقيق هدف سياسي.

