آراء

ليس كل من على رأس مؤسسة رجل مؤسساتي وليس كل رجل مؤسساتي على رأس مؤسسة

10 مشاهدة قراءة 4 دقيقة

الكاتب : اسامة ناصر / شيكاغو

في العمل السياسي والتنظيمي كثيرا ما نخلط بين عمل شخص في موقع قيادي داخل مؤسسة وبين امتلاك العقلية المؤسساتية. فوجود شخص على رأس مؤسسة لا يعني بالضرورة أنه رجل مؤسسات كما أن الرجل المؤسساتي قد يؤدي دوره خارج موقع القيادة لأن المؤسساتية ليست منصبا يشغله الإنسان وإنما ثقافة وسلوك ومنهج في إدارة المسؤولية.

الرجل المؤسساتي يعرف أن المؤسسة أكبر من موقعه وأن المسؤولية التي يحملها ليست ملكية شخصية. لا ينظر إلى المنصب باعتباره مصدر نفوذ دائم ولا إلى المؤسسة باعتبارها مساحة لتثبيت العلاقات والولاءات. يحترم القواعد حتى عندما لا تخدمه ويقبل النقد حتى عندما يكون قاسيا ويفتح المجال أمام الكفاءات حتى عندما تكون منافسة له. أما الرجل الذي يجلس على رأس مؤسسة بعقلية شخصية فقد يحافظ على شكل المؤسسة لكنه يفرغها من مضمونها.  يصبح القرار مرتبطا به وتصبح دائرة القرب منه معيارا للثقة ويصبح الولاء مقدما على الكفاءة وتتحول المساءلة إلى خصومة والاختلاف إلى تهديد.

وهنا لا يعود الخلل مجرد مشكلة في شخص المسؤول بل يتحول إلى خلل في ثقافة المؤسسة نفسها. فحين يتعود الأعضاء على تجاوز القواعد من أجل الأشخاص تصبح القاعدة استثناء ويصبح الاستثناء قاعدة. الأخطر أن هذا الخلل لا يظهر دائما بصورة واضحة. فقد تستمر الاجتماعات وتصدر القرارات وتنعقد المؤتمرات وتبقى المناصب واللجان قائمة بينما تتراجع المؤسسة من الداخل.

الشكل يبقى موجودا لكن روح المؤسسة تتآكل. ان المؤسسة السليمة لا تقاس بعدد المناصب فيها ولا بطول بقاء المسؤولين فيها بل بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة وفتح المجال أمام الكفاءات واحترام الاختلاف وممارسة المحاسبة وتداول المسؤولية. وفي المؤسسات السياسية والتنظيمية تحديدا تصبح هذه المسألة أكثر أهمية. فالمؤسسة التي لا تتجدد تفقد قدرتها على تمثيل المجتمع الذي تتحدث باسمه. والمجتمع يتغير باستمرار بينما تبقى بعض المؤسسات أسيرة أساليب قديمة في الإدارة والتفكير والاختيار. لذلك فإن التجديد ليس مجرد تغيير أسماء أو استبدال شخص بآخر.

التجديد الحقيقي هو الانتقال من مؤسسة تدور حول الأشخاص إلى مؤسسة تدور حول القواعد والبرامج والنتائج. والمطلوب ليس فقط أن نضع أشخاصا جددا في المواقع القديمة بل أن نغير الطريقة التي تدار بها هذه المواقع. أن يصبح الموقع تكليفا لا امتيازا وأن تصبح المسؤولية قابلة للمساءلة وأن يكون النجاح مرتبطا بما تقدمه المؤسسة لا بما يملكه المسؤول من نفوذ داخلها. فالمؤسسة القوية ليست التي تحتاج إلى شخص قوي يحميها بل التي تحميها قواعد قوية حتى من أقوى الأشخاص فيها. فالخلل الحقيقي يبدأ عندما تكون المؤسسة موجودة في الشكل لكنها غائبة في السلوك اليس كذلك ؟.