آراء

إنذار مبكر

7 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : منتصر حمدان
تتعاظم وتتكرر أزمة تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، يوما بعد آخر، وسط مخاوف حقيقية وجدية من انعكاسات هذه الأزمة على واقع الخدمات الإنسانية والصحية والتعليمية التي تقدمها في الأقاليم الخمسة التي تنشط فيها ويستفيد من خدماتها التعليمية في مدارسها أكثر من نصف مليون طالب وطالبة في مراحل التعليم في (58) مخيماً منها (8) مخيمات في غزة و(١٩) مخيما في الضفة الغربية.
ومنذ اندلاع الحروب العسكرية في 2023، باتت الوكالة تواجه ضغوطا مركبة ومعقدة، يمكن حصر أسبابها في أمرين هما اسباب مالية نتاج وقف التمويل الأميركي للوكالة وتراجع المساعدات الدولية للوكالة تحت طائلة الضغوط السياسية والتحريض السياسي على "الاونروا" والعاملين فيها، ما ساهم في إدخال موازنة الوكالة في عجز مالي بات يصل إلى قرابة (100) مليون دولار، الأمر الذي انعكس مباشرة على قطاع التعليم والخدمات المقدمة من قبل طواقم الوكالة الذين يصل عددهم الى نحو (30) ألف موظف منهم (10500) يعملون في قطاع غزة لوحدها. 
ووفقا للتقارير الموثوقة وتصريحات مسؤولي الوكالة الدولية، فإنه مع بداية العام الدراسي الجديد باتت الوكالة وجها لوجه مع تأثيرات الأزمة المالية مع دفعها لاتخاذ إجراءات مباشرة للتخفيف من تأثيرات هذه الازمة على قطاع التعليم حيث اضطرت إلى خفض إيام الدراسة في المدارس التابعة لها من (5) أيام إلى(4) أيام ما قد يترك آثارها الواضحة على جودة ونوعية التعليم المقدم للطلبة، كما اضطرت الوكالة إلى رفع حصة المعلم الواحد لتعليم (50) طالبا بعد أن كان يخصص له (40) طالبا في الصف الواحد، في المقابل فان الازمة المالية للوكالة تضع كل مكونات القطاع التعليمي تحت طائلة الضغط والضيق بفعل الاستهداف العلني للمخيمات.
ومما لا شك فيه فان مجمل هذه الظروف تضع انتظام والتزام الطلبة بالدراسة والتحاقهم بالمدارس في مهب الريح ويدفع باتجاه زيادة نسبة انقطاع الطلبة عن الدوام والدراسة والتسرب من الدراسة وخسران فرصة التعليم الذي يعتبره اغلب الفلسطينيون بأنه رأسمالهم الحقيقي يتطلب حمايته وصيانته.
وفي حقيقة الأمر لا يمكن عزل ما يتعرض له قطاع التعليم التابع لوكالة الغوث من استهداف وتضييق، عن القطاعات الخدماتية الاخرى التي تتحمل الوكالة تقديمها للاجئين الفلسطينيين، ما يؤشر الى ان الازمة المالية التي تعانيها قد لا تكون عابرة بل قد تتسع وتتزايد خاصة في ظل تبدل الاهتمامات واجندة التمويل الخارجي في ظل الحروب الإقليمية القائمة في اوكرانيا واليمن وإيران ولبنان.. الخ، والتي تترك آثارها على القضية الفلسطينية بشكل مباشر أو غير مباشر.
أن الآثار الحقيقية للازمة المالية وتقليص الخدمات المقدمة للاجئين واستهداف المخيمات وسكانها بالقتل والقصف والتدمير، كلها عوامل تعزز حالة فقدان الأمل للأجيال الجديدة من أبناء اللاجئين وتساهم في زيادة مشاعر التهميش والحرمان، وتجعلهم دون أفق تعليمي أو مهني واضح وتضعهم على عتبة المستقبل المجهول الذي لا يمكن التنبؤ بنتائجه وانعكاساته السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
الأزمة المالية للأونروا لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد أزمة تمويل دون الأخذ بالعوامل الأخرى التي أساسها توجهات وقرارات سياسية اتخذت باستهداف المخيمات والاونروا على حد السواء والتعامل الظالم معها على أنها  حاضنة للإرهاب ومنتجة لأشكاله المتعددة وتكرار الاتهامات للأونروا بأنها تدعم وتمول بطريقة غير مباشرة لهذا الوضع، وبالتالي فان مبررات صانعي هذه القرارات وهذه السياسات يغفلون حقيقة القضية الحقيقية المرتبطة بالمعالجة السياسية لقضية اللاجئين باعتبارهم أصحاب حق في العودة إلى وطنهم وحقهم في التعويض لأنه دون ذلك سيبقى العالم كله يعاني من نتائج تجاهله لحقوقهم السياسية التي طال انتظار تحقيقها ومعالجتها.
  تراجع الدعم الخارجي للأونروا يضع مؤسسات السلطة الفلسطينية والمجتمع المحلي أمام ضغوط مالية كبيرة قد يجعلهم عاجزين عن سد الاحتياجات الكبيرة للاجئين ما يستدعي التعامل معه على أنه إنذار مبكر للفلسطينيين يدفع نحو إعادة التفكير وتطوير الأدوات والوسائل لابتداع حلول جديدة في التعامل مع أزمة الاونروا وعدم الاكتفاء بالتعامل معها على انها أزمة تمويل أو دليل على تقصير دولي، خاصة أن التجارب والدروس تؤكد ان الاعتماد  فقط على المجتمع الدولي لحماية مستقبل أبنائنا قد لا يكون ضمانة دائمة، بل قد يجعل مستقبلنا رهينة بما يقدمه الآخرون.
وهنا فأن المنطق يتطلب منا تحويل الأزمة إلى نقطة تفكير وتحول باتجاه اهمية الاستثمار في مواردنا المالية والبشرية لبناء  مؤسسات ونماذج تعليمية أكثر استقلالاً وقدرة على الصمود أمام الأزمات وتغير المواقف الدولية، ويمكن في هذا الإطار الاعتماد على جيش من الخريجين قوامه (2.5) مليون فلسطيني تخرجوا من مدارس الوكالة على مدار أكثر من (70) عاما وكانوا فاعلين في أماكن تواجدهم سواء في فلسطين أو خارجها، لان إبقاء الرهان على المجتمع الدولي بات امرا غير واقعي خاصة في ظل تغيير الأولويات واجندة التمويل الخارجي الذي قد يرتفع أو ينخفض .
وفي هذا المقام فإن المسؤولية الجماعية والوطنية تستدعي خلق حوار واسع بين مختلف القطاعات والخبراء والمختصين لبلورة توجهات جديدة بما يحمي مصالح المجتمع وأبنائه، وتجنب الدخول في دوائر وتحالفات قد تزيد الأعباء على المواطن وتضع مستقبل المجتمع أمام مخاطر أكبر، وأهمية الانطلاق من قاعدة ثابته ان مستقبل ابناء شعبنا وبناتنا مسؤوليتنا الأولى، وان التعليم هو أحد أهم الأدوات لبناء مجتمع فلسطيني قوي وقادر على حماية مستقبله.