الكاتب : د. محمد جبريني
لم يعد الخلاف الأخير بين بريطانيا وإسرائيل مجرد سجال دبلوماسي حول الاستيطان. فانتقال لندن من إدانة المستوطنات إلى حظر منتجاتها واستهداف من يمول أو يسهل توسعها، ثم الرد الإسرائيلي الحاد بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية واتخاذ إجراءات أخرى ضد الوجود والتعاون البريطاني، يكشف أن العلاقة دخلت مساحة جديدة تستحق قراءة تتجاوز الحدث نفسه.
السؤال ليس ما إذا كانت بريطانيا أصبحت ضد إسرائيل؛ فالوقائع لا تقول ذلك. لندن ما تزال تؤكد حق إسرائيل في الأمن، وتحافظ على علاقاتها الاستراتيجية معها.
السؤال الأهم هو:
هل تحاول بريطانيا وأوروبا منع إسرائيل من ضم الضفة الغربية، أم أنهما بدأتا تستعدان سياسياً وقانونياً لليوم التالي إذا عجزتا عن منعه؟
المسألة ليست المنتجات بل السابقة، فلسنوات طويلة اعتبرت بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية المستوطنات غير قانونية، لكن الاعتراض ظل في جانب كبير منه سياسياً ودبلوماسياً.
الجديد هو الانتقال من الموقف القانوني إلى محاولة ترتيب نتائج اقتصادية عليه. فإذا كانت المستوطنات غير قانونية وليست جزءاً من إسرائيل، فإن السؤال المنطقي يصبح: لماذا تعامل منتجاتها ونشاطاتها الاقتصادية كما لو كانت جزءاً طبيعياً من الاقتصاد الإسرائيلي؟
من هنا تأتي أهمية حظر منتجات المستوطنات. فالمسألة ليست المنتجات بقدر ما هي السابقة. فالخطوة تفتح الباب أمام منطق يمكن أن يمتد مستقبلاً من السلع إلى الشركات والتمويل والاستثمار والعقارات والتأمين وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالاستيطان.
وهكذا يمكن أن يتحول الخط الأخضر تدريجياً من خط سياسي موجود في القرارات والخرائط الدبلوماسية إلى حد اقتصادي وقانوني تترتب عليه نتائج مادية.
من الاعتراف بفلسطين إلى السؤال عن حدودها ..
لا يمكن فصل هذا التحول عن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025. فالاعتراف أجاب عن سؤال أساس : هل للفلسطينيين حق في دولة؟
أما الإجراءات المتعلقة بالمستوطنات فتبدأ في الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة:
أين تنتهي إسرائيل، وأين تبدأ فلسطين؟
وتكتسب المسألة معنى تاريخياً خاصاً عندما تأتي من بريطانيا.
فهي الدولة التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، ثم أدارت فلسطين خلال الانتداب، وأسهمت في توفير البيئة السياسية والقانونية والمؤسسية التي ساعدت المشروع الصهيوني على التحول إلى مشروع دولة.
وبعد أكثر من قرن، لا تنازع بريطانيا إسرائيل في وجودها، وإنما بدأت تضع بصورة أكثر وضوحاً فاصلاً بين الاعتراف بإسرائيل وبين الاعتراف بسيادتها على الأرض المحتلة.
وهنا تكمن المفارقة: بريطانيا التي ساهمت تاريخياً في توفير الشروط الدولية لنشوء المشروع، تحاول اليوم المساهمة في رسم حدود توسعه.
لماذا أغضب ذلك إسرائيل؟
إذا كان الحجم الاقتصادي لتجارة منتجات المستوطنات محدوداً قياساً بالعلاقة الاقتصادية بين بريطانيا وإسرائيل، فإن حدة الرد الإسرائيلي يصعب تفسيرها بالخسارة التجارية وحدها.
إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية يحمل معنى سياسياً ورمزياً يتجاوز التجارة. فالقنصلية قناة بريطانية أساسية للعلاقة مع الفلسطينيين، ووجودها في القدس الشرقية يتصل مباشرة بالخلاف حول السيادة ومستقبل المدينة والأرض المحتلة.
ولا يمكن الجزم بالدوافع الداخلية للحكومة الإسرائيلية، لكن أحد التفسيرات الممكنة لحدة الرد هو الخشية من السابقة.
فبريطانيا عضو دائم في مجلس الأمن، وقوة دولية كبرى، وحليف وثيق للولايات المتحدة. وإذا تحولت سياستها إلى نموذج تتبعه دول أخرى، فقد تصبح التفرقة القانونية والاقتصادية بين إسرائيل والمستوطنات أوسع نطاقاً وأكثر كلفة.
من بريطانيا إلى اثنتي عشرة دولة ..
وهذا الاحتمال لم يعد افتراضياً تماماً.ففي 8 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت اثنتا عشرة دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا والسويد والنرويج، نيتها اتخاذ قيود وطنية و/أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية، أو دراسة إجراءات من هذا النوع.
والأكثر أهمية أن البيان ربط الإجراءات بالتوسع الاستيطاني ومشروع E1، ورفض الخطوات التي ترقى إلى ضم الأرض الفلسطينية والتهجير القسري.
وفي الوقت نفسه أكد أمن إسرائيل وأدان هجوم حماس في 7 أكتوبر وتمسك بحل الدولتين.
إذن نحن لا نشهد تشكل جبهة «ضد إسرائيل»، ولا يجوز المبالغة في درجة التوافق بين الدول الاثنتي عشرة.
لكن يمكن الحديث عن نواة اصطفاف غربي متزايد يحاول الفصل بين دعم إسرائيل ودعم ما تفعله في الأرض المحتلة.
منع الضم أم التحوط منه؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب. القراءة الأولى تقول إن بريطانيا والدول الأوروبية أدركت أن استمرار الاستيطان يهدد فعلياً حل الدولتين، ولذلك بدأت تستخدم أدوات اقتصادية بعدما ثبت ضعف الإدانات الدبلوماسية.
لكن هناك قراءة أخرى تستحق التفكير.
ماذا إذا كانت هذه الحكومات تخشى أن إسرائيل تتجه بالفعل نحو ضم رسمي أو فعلي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، وأن قدرتها على منع ذلك محدودة؟
عندها يمكن فهم الإجراءات الحالية بوصفها تحوطاً استراتيجياً لاحتمال الضم. أي أنها تحاول منع الضم إن استطاعت، لكنها في الوقت نفسه تبني منذ الآن مسافة سياسية وقانونية بينها وبين نتائجه إذا وقع.
وبذلك تستطيع القول إنها لم تعترف بالضم، ولم تعامل المستوطنات باعتبارها جزءاً من إسرائيل، واتخذت إجراءات عملية قبل وقوعه.
كما تمنح هذه السياسة الحكومات الأوروبية مساحة أوسع للتعامل مع ردود الفعل الداخلية المتوقعة إذا وقع الضم، ولا سيما مع اتساع الانتقادات الشعبية والحقوقية والسياسية للسياسات الإسرائيلية.
لا توجد أدلة كافية للقول إن هذا هو الدافع الحقيقي وراء السياسة الأوروبية.لكن لا يوجد أيضاً ما يمنع أن تحاول الحكومات ردع تطور معين والاستعداد لفشل الردع في الوقت نفسه.
ولذلك قد لا يكون علينا الاختيار الآن بين «منع الضم» و«الاستعداد له». فقد تكون السياسة الفعلية مزيجاً من الاثنين.
الولايات المتحدة تضع حدود التحول ..
وجود الموقف الأمريكي المختلف يمنع الحديث عن تحول غربي شامل.فالولايات المتحدة لم تنضم إلى مسار حظر منتجات المستوطنات، وما تزال تعتمد بدرجة أكبر على العلاقة الاستراتيجية المباشرة والنفوذ السياسي في التعامل مع إسرائيل. لذلك نحن أمام تمايز داخل الغرب، لا انقلاب غربي على إسرائيل.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا مجرد اختلاف في الأدوات بين الولايات المتحدة وأوروبا، أم بداية اختلاف أعمق حول حدود الدعم لإسرائيل إذا واصلت حكومتها تغيير الواقع في الضفة الغربية.
وأين فلسطين من كل ذلك؟
لا ينبغي أن تتحول فلسطين إلى مجرد موضوع لخلاف بريطاني–إسرائيلي. فالتحول الحالي، إذا استمر، يفتح فرصة سياسية فلسطينية مهمة.والفرصة ليست أن يصبح الغرب ضد إسرائيل، فهذا ليس واقعياً ولا مطلوباً.
الفرصة هي أن يصبح قيام دولة فلسطين جزءاً من تعريف المصلحة الغربية في استقرار الشرق الأوسط.
وهذا يفرض مسؤولية فلسطينية أيضاً.
فالاعتراف الدولي بالدولة يحتاج إلى دولة قادرة على الحكم: نظام سياسي موحد، وشرعية ديمقراطية متجددة، ومؤسسات فاعلة، وإصلاح جدي، وبرنامج سياسي يستطيع تحويل الدعم الدولي من موقف ضد الاستيطان إلى دعم عملي لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة.
فنجاح الفلسطينيين لا يقاس فقط بزيادة كلفة الاحتلال، وإنما أيضاً بقدرتهم على رفع قيمة البديل الفلسطيني في الحسابات الدولية.
الاختبار الحقيقي لم يأت بعد ..
لهذا من المبكر اعتبار الإجراءات البريطانية والأوروبية تحولاً استراتيجياً مكتمل الأركان، كما أنه من المبكر اختزالها في مناورة لامتصاص الغضب.
الاختبار سيكون إذا أقدمت إسرائيل على الضم الرسمي، أو أصبح الضم الفعلي في الضفة الغربية غير قابل للعكس.
ماذا ستفعل بريطانيا وأوروبا عندها؟
إذا بقيت الإجراءات محصورة في منتجات المستوطنات وبعض العقوبات الفردية، بينما استمرت العلاقات الأساسية مع إسرائيل كما هي، ستكتسب فرضية التحوط السياسي وإدارة الغضب وزناً أكبر.
أما إذا امتدت الإجراءات إلى الشركات والتمويل والاستثمارات والامتيازات الاقتصادية، وتحولت اللاشرعية القانونية للضم إلى كلفة سياسية واقتصادية فعلية، فسنكون أمام بداية تحول أعمق.
وهنا نعود إلى السؤال الأساس :
ليس السؤال ما إذا كانت بريطانيا انتقلت من إسرائيل إلى فلسطين. هذا لم يحدث.
السؤال هو ما إذا كانت لندن، ومعها جزء متزايد من أوروبا، قد بدأت ترى أن حماية إسرائيل واستقرار الشرق الأوسط لم يعودا ممكنين على المدى الطويل مع استمرار الاحتلال وإغلاق الطريق أمام الدولة الفلسطينية.
وقد تكون المفارقة التاريخية أن المصلحة التي التقت في مرحلة سابقة مع صعود إسرائيل بدأت، في بيئة مختلفة تماماً، تدفع إلى محاولة تقييد توسعها. ليس تراجعاً عن إسرائيل، وإنما بحثاً عن معادلة مختلفة:
إسرائيل آمنة داخل حدود معترف بها، وفلسطين مستقلة وقابلة للحياة، ونظام إقليمي أكثر استقراراً.
أما إذا وقع الضم ولم تتغير السياسات الغربية جوهرياً، فسيكون علينا إعادة قراءة كل ما نشهده اليوم.
فالسياسة لا تُختبر عندما يكون الموقف قليل الكلفة؛ بل عندما تصبح للمبادئ والمصالح كلفة حقيقية.
بريطانيا وإسرائيل وفلسطين: منع الضم أم الاستعداد لليوم التالي؟

