آراء

يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب فقد ظلم

15 مشاهدة
يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب فقد ظلم

الكاتب : عيسى قراقع
ليست كل الهزائم تبدأ في الميدان؛ بعضها يبدأ حين نفقد القدرة على رؤية الميدان، وحين يصبح العدو أكثر وضوحًا في دمنا، وحين تصبح التفاصيل الصغيرة أكبر من الصورة الكبرى، وحين ينشغل الناس بالحاجز القريب ولا يرون الجدار الممتد من البيت حتى الوريد.
وحين يتوهمون أنهم أحرار ولا يرون قيودًا غليظة غير مرئية، وحين يرون الانتخابات ولا يرون الحرية التي تجعل الانتخابات ذات معنى، وحين ينشغلون بإدارة وقائع الاحتلال على الأرض بدلًا من تفكيكه في الوعي ومقاومة الرضوخ للأمر الواقع، فإن المشكلة لا تكون في قلة الشجاعة، وإنما في الموقع الذي ننظر منه إلى المعركة وإلى أنفسنا.
في عام 645 ميلادي، سمع الناس الخليفة عمر بن الخطاب يصرخ من على المنبر في صلاة الجمعة: «يا سارية، الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم». وقد سمعه سارية بن زنيم الدؤلي، وهو يقود جيوش المسلمين في بلاد فارس، على بُعد مسافات طويلة، وكان محاصرًا من الأعداء الذين تكاثروا عليه من كل اتجاه، فلجأ بجيشه إلى الجبل حتى انتصر في تلك المعركة.
أصبحت العبارة في الذاكرة العربية والإسلامية رمزًا للرؤية والفراسة من بعيد، والانتباه إلى الخطر، والبحث عن موقع يمنع الهزيمة، ويضع حدًا للإبادة المستمرة، ويحمي ما تبقى في هذه الأرض، صرخةَ انتباهٍ قبل أن ننزلق إلى الهاوية.
النداء هو صوت يخترق المكان، لا لأنه معجزة صوتية، بل لأنه استعارة للإرادة الجماعية التي تجعل البعيد قريبًا، وتشحن النفوس بالأمل: قادرون على الانتصار رغم الألم، وقادرون على النهوض رغم كل ما أصابنا من نكبات وكوارث وخيبات.
يا سارية الفلسطيني، الجبل، الجبل.
والجبل ليس صخرة ولا ارتفاعًا جغرافيًا، إنه موقف. أن تصعد فوق اللحظة كي تراها، وأن تخرج من حصار الدائرة، وأن ترى القدس وغزة، وتقرع الأجراس في كل مكان.
الجبل هو القدس، وحق العودة، والأرض والهوية والذاكرة، وحق تقرير المصير، والوحدة الوطنية، والأسرى والشهداء، والوعي والثبات والكرامة، والتحرر من الكمين والقفص السياسي والجغرافي، والتحصن بمرتفع الثوابت الوطنية.
عمر بن الخطاب رمز القيادة المسؤولة، والضمير الوطني الجامع الذي يصرخ في لحظة وجودية، وهذا الضمير يجب أن يكون مؤسسات لا أشخاصًا، وبرنامجًا لا شعارات، وتمثيلًا لا وصاية، وشراكة لا انقسامًا.
وسارية هو كل فلسطيني: المزارع والطالب، الرجل والمرأة، الفصيل والبلدية، الجامعة والنقابة والإعلام، واللاجئون والشباب والعمال، والصامدون على أرضهم، أحياءً وأمواتًا.
يا سارية الفلسطيني، الجبل، الجبل.
لا تتوقفوا، لا تتفرقوا، لا تبيعوا، لا تساوموا، لا ترهنوا القرار. اعتصموا بمرتفع الروح، ولا تنحنوا إلا لله رب العباد.
يا سارية الفلسطيني، الجبل، الجبل.
لا تنتظروا معجزة من عاصمة كبرى. لا يفل الحديد غير الحديد. المستوطنون في الحديقة، والرصاص في الرأس، وحبل المشنقة في كل شارع وزنزانة، والغيلان كثيرة، والوادي أصبح بغير ذي زرع.
يا سارية الفلسطيني، الجبل، الجبل.
اصعدوا إلى القمة كي تروا الناس جميعًا: الأرض قبل الخرائط، والحرية قبل الامتيازات. فمن يرى موقعه الصغير يمكن أن يُحاصر بسهولة، ومن يصعد إلى الجبل يرى الطريق كله، وتتضح الرؤية.
يا سارية الفلسطيني، الجبل، الجبل.
إذا أوجعتك غزة، فاصعد على أبراج دمها إلى وحدة القضية. وإذا حاصرك الاستيطان، فاصعد إلى الأرض بمعول وأغنية. وإذا حاصرك السجن، فاصعد بقضية الأسير إلى العالم، وحطّم صمت العدالة الكونية. وإذا كان لا بد من الانتخابات، فاصعد إلى الصندوق كي ترى من فوقه الطريق إلى الحرية.