آراء

وحدة «فتح» ... هل نبنيها بالأدوات التي أضعفتها؟

7 مشاهدة
وحدة «فتح» ... هل نبنيها بالأدوات التي أضعفتها؟

الكاتب : د. مروان إميل طوباسي  

من المهم، بل من الأولويات اليوم ، أن نضع في صدارة خطابنا وممارستنا شعار «وحدة فتح ووحدة الوطن» ، وأن نؤكد أن «فتح» الموحدة ركيزة أساسية للمشروع الوطني التحرري ، وأن الوحدة الداخلية والشراكة الوطنية شرطان لمواجهة الأحتلال وحماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل ، وأن الشعب هو مصدر السلطات والشرعية ، وأن المشروع التحرري لا يجوز أن يتحول إلى برنامج إدارة سكانية تحت الأحتلال . ومن هنا فإن الانتخابات التشريعية والرئاسية تكتسب اهمية خاصة في هذا الظرف ، اولا لتجسيد حق المواطن كصاحب السلطات ، وثانيا لمواجهة واسقاط مشروع فصل غزة وفق توجهات مجلس ترامب للسلام تحت ذريعة غطاء "القرار الأممي" بخصوص الوصاية ، والضم الجاري الضفة الغربية وتحويلها لمعازل وعزل القدس . 

فاستعادة وحدة «فتح» وقوتها ودورها ليست شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب ، بل مسألة تتصل بمستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية ، في مرحلة يواجه فيها شعبنا مخاطر وجودية، من تصاعد وتوسع الإستعمار الإستيطاني والضم والتهجير واستمرار العدوان ، إلى محاولات تفكيك الجغرافيا والمشروع الوطني التحرري وإعادة تعريف وظيفة المؤسسات الفلسطينية ، بما يبدأ من غزة ولا ينتهي عندها .

لكن الاتفاق على ضرورة الوحدة يفتح السؤال الأصعب أمامنا ، كيف نبني هذه الوحدة ، وبأية أدوات؟

فالوحدة لا تتحقق بتكرار الدعوة إليها، وإنما ببناء الثقة داخل الحركة ومن حولها ، واحترام نظامها الداخلي ، وتوسيع المشاركة ، وإتاحة المساحة المطلوبة للرأي الآخر ، وإعادة الاعتبار للانتخابات الشفافة ، وإنهاء الإقصاء والتهميش ، بحيث يشعر أبن «فتح» بأن له مكاناً وصوتاً ودوراً ، لا أن مشاركته مرتبطة بقربه من هذا المسؤول أو ذاك ، أو وفق قاعدة الولاء بدلاً من الإنتماء ، أو باعتباره جزءاً من جمهور يُستدعى فقط عند الحاجة .

ومن هنا ، لا يمكن الحديث عن استنهاض «فتح» من دون مراجعة تجربة المؤتمر الثامن وما سبق انعقاده ومراجعة ما تم من اتفاقيات سياسية مع الأحتلال ، ومكانة فتح وعلاقتها بالآخرين من جهة ، ومع السلطة الوطنية ومنظمة التحرير من جهة اخرى ، ومن دون وضوح في الرؤية والبرنامج وتغيير الأدوات .

كان ينبغي للجنة المركزية السابقة واللجنة التحضيرية للمؤتمر الثامن أن تتحملا المسؤولية الجماعية عن الطريقة التي جرى بها تحديد مدخلات المؤتمر وعضويته ، وأن تقدما نقداً ذاتياً حول ذلك . فقد رافقت تلك العملية ، في تقديري وفي تقدير قطاع واسع من أبناء الحركة ، تجاوزات للنظام الداخلي ، واستبعاد عدد من المناضلين والكوادر من عضوية المؤتمر ، بعضهم دون قرارات تنظيمية بحقهم ، وبعضهم لاعتبارات شخصية ارتبطت بتوازنات الانتخابات داخل المؤتمر وما نتج عنها ، في مقابل توسيع مشاركة موظفين ومحسوبين وأشخاص جرى اختيارهم بآليات لم تكن واضحة أو مقنعة تنظيمياً .

ولم تكن المشكلة في أسماء المشاركين بالمؤتمر بحد ذاتها ، وإنما في المنهج الذي حدد من يشارك ومن يُستبعد  وهو أمر أقر به عدد من اعضاء المركزية في جلسات جانبية .

وكانت النتيجة أن المؤتمر الثامن ، الذي كان يفترض أن يشكل محطة لمراجعة تجربة الحركة وبرنامجها وأدوات عملها وصولاً إلى رؤية سياسية وتنظيمية واضحة ، لم يشهد النقاش السياسي والتنظيمي الذي تستحقه مرحلة بهذه الخطورة ، ولم يتحول إلى مساحة حقيقية للوقوف أمام الأسئلة الكبرى المتعلقة بدور «فتح» وهويتها ومستقبل المشروع الوطني التحرري والنظام السياسي الفلسطيني ومسار المرحلة السابقة منذ أوسلو .

واليوم نجد أنفسنا أمام اختبار جديد ،
حيث تجري بدعوة من اللجنة المركزية الجديدة ، لقاءات في المناطق لعقد المجالس الحركية العامة التي نص عليها النظام الداخلي ، وهي فكرة أرى ضرورة تطويرها وتحويلها إلى مساحة دائمة للحوار والمشاركة والمساءلة داخل الحركة ، لا إلى مجالس موسمية . كما يجري الحديث عن «مجمعات انتخابية» في إطار الاستعداد للانتخابات وتشكيل قائمة «فتح» .

وهنا يعود السؤال نفسه ، من يحدد عضوية هذه المجالس والمجمعات ، وعلى أي أساس وأي منهج ، رغم الحديث عن وجود معايير ؟
فإذا استمرت الآليات التي حكمت التحضير للمؤتمر الثامن ، واستمر تجاهل كوادر وأعضاء جرى تهميشهم أو استبعادهم دون قرارات تنظيمية ، خاصة من قادة الانتفاضة الأولى وما قبلها ، وإذا جرى اعتماد هيئات لم تُجدد شرعيتها بالانتخابات ، بما في ذلك أقاليم ما زال بعضها يعمل وفق مفهوم لجان تسيير الأعمال ، فإننا لا نكون أمام مسار جديد لأستنهاض الحركة ، بل أمام إعادة إنتاج للمشكلة نفسها بأسماء وأطر مختلفة .

وهذا يكتسب أهمية مضاعفة إذا كانت هذه المجالس ستشارك في اختيار مرشحي «فتح» للانتخابات المقبلة .
فالاختيار الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى عملية مغلقة تعيد إنتاج التوازنات التنظيمية التي ترتبت في المؤتمر ، بل يجب أن يكون فرصة لاستعادة ثقة أبناء الحركة ، وإدخال طاقات وأجيال جديدة ، والاستفادة من خبرة مناضلين وكوادر جرى إبعادهم أو تهميشهم ، وإعطاء القواعد الحركية والكوادر السياسية دوراً حقيقياً في تحديد من يمثلها .

ولا أعتقد أن وحدة «فتح» تعني إلغاء الاختلاف داخلها . فـ«فتح» تاريخياً لم تكن تنظيماً أحادي الفكر ولا مشروعاً سلطوياً ، بل إطاراً وطنياً ثورياً واسعاً جمع مدارس واجتهادات وتجارب مختلفة تحت سقف المشروع الوطني الفلسطيني التحرري ، من أجل إنجاز حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف .

ولذلك فإن استعادة وحدة «فتح» لا تكون بتضييق مساحة الإختلاف ، بل بالتشاور مع الجميع دون استبعاد أحد ، بما يؤدي إلى استعادة دور الحركة وتطويره في قيادة المشروع التحرري إلى جانب مكونات الحركة الوطنية الأخرى في منظمة التحرير ، التي تحتاج جميعها إلى الاستنهاض وإلى عقد وطني متجدد يحدد الخيارات ومكانة ودور المنظمة الفاعل والعلاقة مع شعبنا وبين أطرافها .

وهنا تقع مسؤولية خاصة على القيادة الجديدة للحركة . فإذا أردنا بالفعل فتح صفحة مختلفة بعد المؤتمر الثامن ، فإن المطلوب ألا نستمر في إدارة الحياة الداخلية بالأدوات ذاتها ثم ننتظر نتائج مختلفة .

ويمكن البدء بخطوات واضحة تتمثل في المراجعة والنقد ، وإعادة الاعتبار للنظام الداخلي ولأعراف الحركة ولهيئاتها في الشتات ، وإجراء الانتخابات في الأقاليم والأطر التي تحتاج إلى تجديد شرعيتها ، والتراجع عن حالات الاستبعاد والتهميش التي لم تستند إلى قرارات تنظيمية ، وفتح حوار داخلي واسع ، وتوسيع المشاركة في المجالس الحركية العامة ، ووضع معايير شفافة لاختيار المرشحين بعيداً عن المحاصصة والولاءات الشخصية .

إن «فتح» بحاجة إلى كل أبنائها ، وإلى استعادة ثقتهم قبل مطالبتهم بالالتفاف حولها .

ولهذا فإنني أرى في دعوة الأخ جبريل الرجوب إلى «وحدة فتح ووحدة الوطن» مدخلاً صحيحاً ، لكن صدقية هذا الشعار ستقاس بقدرتنا جميعاً ، وفي المقدمة قيادة الحركة ، على تحويله من خطاب إلى ممارسة فعلية .

وهذا يجب أن يشمل أيضاً أبناء الحركة الذين جرى تهميشهم ، بمن فيهم من دفعتهم حالة الإقصاء إلى التفكير في خيارات وتشكيل قوائم انتخابية . فمعالجة ذلك لا تكون بمزيد من الإقصاء أو الاتهام ، وإنما بالسؤال أولاً عن الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعت إليها ، وبإعادة فتح أبواب المشاركة أمام الجميع على أسس واضحة وعادلة .

فالوحدة لا تُفرض بقرار ، ولا تُصنع بإقصاء المختلفين ، ولا تتحقق بجمع الناس خلف خيارات أو عناوين جاهزة . الوحدة تُبنى بالحوار وبالمشاركة والثقة والشرعية التنظيمية الحقيقية ، وأحترام التعددية ، واستيعاب أبناء الحركة ، وإعادة بناء الثقة بين القيادة والقاعدة والشعب وتكريس أسس الوحدة الوطنية الواسعة مع كافة مكونات شعبنا ومجتمعه المدني والمستقلين الوطنيين ، وبالنظر بجدية لكافة المقترحات والوثائق المقدمة للنقاش خاصة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في موضوع الانتخابات المقررة ، كما وغيرها من القوى الوطنية ، على قاعدة أن الوحدة هي قانون الأنتصار ، كما كان يؤكد دائماً أخانا القائد مروان البرغوثي من زنازين عزله التي حتماً ستُكسر أقفالها ، فلا غُرف التحقيق باقية ولا زرد السلاسل .

وإذا كانت وحدة «فتح» ضرورة وطنية اليوم ، فإن أول شروطها ألا نعيد بناء الحركة بالأدوات نفسها التي ساهمت في إضعافها .