آراء

حين تصبح حياتنا حملة انتخابية

17 مشاهدة
حين تصبح حياتنا حملة انتخابية

كتبت : فداء البرغوثي 

في الضفة الغربية، يبدأ الصباح قبل أن يكتمل الضوء. تفتح أم الباب بهدوء، تنظر إلى الطريق، ثم تعود لتوقظ أبناءها واحدا واحدا. ترتب ملابسهم، وتضع الخبز في الحقائب، وتراقب وجوههم وهم يغادرون البيت. يبقى جزء منها مع كل واحد منهم، عند أول منعطف، وعند أول حاجز، حتى لحظة العودة.

في المساء، تعرف الأم أبناءها من وقع خطواتهم. تميز صوت المفتاح في الباب، وطريقة وضع الحقيبة على الكرسي، ونبرة السلام الأولى. عندها فقط تهدأ يداها، ويعود البيت إلى شكله الطبيعي.

يخرج الأب نحو أرضه في ساعة مبكرة. يسير في الطريق الذي سار فيه أبوه قبله، ويقف عند الزيتونة التي يعرف عمرها ومواسمها. يمرر يده على جذعها، ويرفع غصنا انحنى، ويتفقد التراب حول الجذور. يحمل الأرض في ذاكرته: مكان البئر، وحدود الحقل، والصخرة التي جلس عليها صغيرا، والطريق الذي كان مفتوحا ذات يوم.

وعندما يطول غيابه، تبقى عائلته تراقب الهاتف والباب. تحمل كل دقيقة ثقلا خاصا، ويرفع كل صوت لمركبة الرؤوس نحو النافذة.

تمشي الفتاة نحو جامعتها وهي تضم كتبها إلى صدرها. تختار ملابسها، وترتب شعرها، وتفكر في المحاضرة والواجبات والأصدقاء. ثم يدخل الطريق في تفاصيل يومها: حاجز، أو تحويلة، أو تجمع عند مدخل القرية، أو خبر يغير خطتها كلها. يبقى حلمها حاضرا، رغم الطريق الطويل الذي يفصلها عنه.

يخرج الشاب وفي ذهنه يوم كامل: مقابلة عمل، أو محاضرة، أو موعد، أو زيارة ينتظرها. يحمل بطاقته في جيبه، وهاتفه في يده، وأسئلة عائلته في قلبه. يعرف أن الطريق قد يمنحه ساعات إضافية من الانتظار، وأن يومه قد يتغير خلال دقائق.

أما الطفل، فيراقب الكبار أكثر مما يتحدث. يلتقط الخوف من عيونهم، ويفهم الصمت الذي يهبط فجأة على البيت. يرسم شجرة، ومنزلا، وشمسا كبيرة في زاوية الورقة. ثم يرسم بوابة حديدية، أو مركبة في الطريق، أو رجلا يقف بعيدا. هكذا تدخل الضفة إلى رسومات الأطفال، بكل ما فيها من جمال وخوف.

وفي القرى القريبة من المستوطنات، يحمل الليل ثقلا آخر. يصغي الناس إلى نباح الكلاب، وصوت السيارات، والأصوات القادمة من التلال. يطفئون الأنوار أحيانا، ويقفون خلف النوافذ، ويتفقدون بيوتهم وأشجارهم ومخازنهم. يصبح الليل طويلا، وتمتلئ المسافة بين السرير والباب بالقلق.

وعندما تقترب انتخابات الكنيست، تتغير لغة السياسيين. تكثر الوعود المرتبطة بالضفة، وتتكرر الكلمات حول الأرض والاستيطان والسيطرة. هناك، في قاعاتهم وعلى شاشاتهم، تظهر القرى كمساحات، والبيوت كنقاط، والحقول كخرائط.

هنا، تبدو الصورة مختلفة تماما.

تحمل القرية أسماء الناس. ويحمل البيت رائحة الطعام وصور العائلة. وتحمل الأرض عرق أصحابها. ويحمل الطريق خطوات الطلاب والعمال والأمهات. وتحمل الشجرة مواسم كاملة من التعب والانتظار.

تتحول هذه التفاصيل في الخطاب الانتخابي إلى عناوين كبيرة. يأتي السياسي إلى المنصة، ويرفع صوته، ويقدم مزيدا من السيطرة لجمهوره. وفي الوقت نفسه، تجلس أم قرب النافذة، وينتظر أب موسمه، وتحاول فتاة الوصول إلى جامعتها، ويعود شاب متأخرا، ويغفو طفل قرب أمه بعد ليلة مليئة بالأصوات.

تمر الحملات الانتخابية على شاشاتهم، بينما تمر آثارها في أيامنا. تظهر في طريق مغلق، وفي أرض يصبح الوصول إليها أصعب، وفي شجرة محترقة، وفي بيت امتلأ بالخوف، وفي قرية تترقب الليل.

ومع كل صباح، يعود الناس إلى تفاصيلهم. تعد الأم الخبز، ويتجه الأب إلى أرضه، وتحمل الفتاة كتبها، ويبحث الشاب عن يوم أهدأ، ويرسم الطفل شجرة جديدة.

هكذا تستمر الحياة الفلسطينية: بيت يفتح بابه مع الفجر، ومائدة تنتظر اكتمال العائلة، ويد تزرع، وعين تراقب الطريق، وقلب يتعلق بوصول الأحبة سالمين.