آراء

عندما نهاجر من أوطاننا... هل نهرب من الاستبداد أم نحمله معنا؟

13 مشاهدة
عندما نهاجر من أوطاننا... هل نهرب من الاستبداد أم نحمله معنا؟

الكاتب : د بسام سعيد
 
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال ليس إصدار الأحكام، بل محاولة فهم ظاهرة تؤرقني. ففي كل يوم نرى عشرات  العرب يهاجرون بحثًا عن الأمن والحرية والكرامة، هربًا من الظلم والاستبداد والفساد والحروب والفقر . لكن يبقى سؤال لا يغادر ذهني: إذا كنا نهرب من هذه الأوضاع، فهل نترك أيضًا الأفكار والسلوكيات التي ساهمت في صنعها؟ أم أننا نغيّر المكان فقط، بينما تبقى طريقة التفكير كما هي؟
لست أزعم أن المشكلة تكمن في "العقل العربي" بوصفه قدرًا محتومًا أو صفة ثابتة؛ فالعقول تتغير بالتعليم والثقافة والتجربة. لكنني أتساءل: ألسنا بحاجة إلى مراجعة بعض الأفكار والثقافات السياسية والاجتماعية التي ورثناها، والتي ربما أسهمت في استمرار دوائر الاستبداد والانقسام، حتى ونحن نبدأ حياة جديدة في مجتمعات مختلفة؟
إن الهجرة حق طبيعي لكل إنسان يسعى إلى حياة أكثر أمنًا وكرامة، ولا أحد يلوم من يفر من الحرب أو الفقر أو القمع بحثًا عن مستقبل أفضل له ولأبنائه. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يكفي تغيير المكان لصناعة مستقبل مختلف؟ وهل تتغير المجتمعات إذا لم يتغير الإنسان نفسه؟
إذا حمل المهاجر معه الأفكار ذاتها التي ساهمت في إنتاج أزمات مجتمعه، من التعصب، وإقصاء الآخر، وتقديس الأشخاص، وتغليب الولاءات الضيقة على المواطنة، وعدم احترام القانون، فإنه لا يكون قد غادر الماضي، بل يكون قد نقله معه إلى وطنه الجديد  ويصبح كمن يهرب من الدلف للمزراب !
لقد بنت أوروبا تجربتها الحديثة على أسس راسخة؛ دولة القانون، واستقلال القضاء، وتداول السلطة، واحترام الحريات، وقبول التنوع. ولم تكن هذه القيم هبة مجانية، بل جاءت بعد قرون طويلة من الصراع الفكري والسياسي والتضحيات.
ومن هنا، فإن الاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية أو اللغة أو الدين، وإنما يعني احترام قوانين المجتمع الذي منح الإنسان فرصة جديدة للحياة. فالاعتزاز بالهوية حق، أما استنساخ أسباب الفشل التي هربنا منها فليس حفاظًا على الهوية، بل إعادة إنتاج للأزمة.
وفي المقابل، لا يجوز تعميم هذا النقد على جميع المهاجرين؛ فهناك آلاف العرب الذين أصبحوا نماذج مشرّفة في الجامعات والمستشفيات والشركات والبرلمانات، وأثبتوا أن الإنسان قادر على النجاح متى آمن بقيم العمل، واحترام القانون، والمواطنة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نهرب من الاستبداد، بينما نحمل ثقافته معنا. وأن نغادر أوطاننا، فيما تبقى عقولنا أسيرة الأفكار التي ساهمت في تراجعها. فليس أخطر ما قد نصدره إلى أوروبا أعداد المهاجرين، بل العقليات التي أعاقت نهضة أوطاننا.
لقد علمنا التاريخ أن سقوط المجتمعات يبدأ عندما تنتصر ثقافة الإقصاء على ثقافة المواطنة، ويعلو الولاء للأشخاص على الولاء للقانون. لذلك، فإن نجاح الهجرة لا يُقاس بالوصول إلى الضفة الأخرى، بل بالقدرة على ترك أسباب الفشل خلفنا، لا حملها معنا.
فالهجرة قد تغيّر العنوان... لكنها لا تغيّر الإنسان، إلا إذا امتلك الشجاعة لمراجعة أفكاره، ونقد ذاته، قبل أن يطالب العالم بتغيير واقعه.

 *أكاديمي وكاتب