الكاتب : شادي عياد
الجلسة الأولى… المتهمون كُثر، والقاضي واحد
كاتب المحكمة يجهر بصوته:
باسم الحقيقة…
وباسم كل دمعةٍ لم تجد من يمسحها…
وباسم كل قلبٍ أحب هذا الوطن رغم وجعه…
تُفتتح اليوم أولى جلسات محكمة التاريخ.
إنها ليست محكمةً بين خصمين…
ولا نزاعًا على حقٍ شخصي…
بل محاكمةٌ بين وطنٍ أُنهك…
وبين كل ما أثقل كاهله من خيبات.
حاجب المحكمة ينادي بصوت جهير :
محكمة…
ليقف الجميع.
وقف أصحاب القصور…
وأصحاب المكاتب…
وأصحاب الألقاب…
وأصحاب الشعارات…
وأصحاب الميكروفونات…
ووقف الفقراء أيضًا…
لكن شيئًا واحدًا لم يقف…
الضمير.
كان متعبًا…
وكأنه أمضى عمره كله يوقظ من لا يريد أن يستيقظ.
حاجب المحكمة:
تدخل هيئة المحكمة.
فُتحت الأبواب ببطء…
ودخل القاضي.
لم يكن يحمل مطرقةً من خشب…
بل كان يحمل وطنًا كاملاً فوق كتفيه.
كانت فلسطين هي القاضي.
بثوبها المطرّز بالصبر وبدم الشهداء…
وبعينيها اللتين لم تناما منذ عقود.
جلست…
فساد الصمت.
ثم قالت:
ليتفضل كاتب المحكمة بتلاوة لائحة الاتهام.
وقف الكاتب…
وفتح ملفًا بدا أثقل من الجبال.
وقال:
سيدي الرئيس…
هذا ليس ملف أشخاص…
بل ملف وطن.
كل صفحةٍ فيه سنةٌ ضاعت.
وكل سطرٍ حلمٌ انكسر.
وكل هامشٍ دمعةٌ تأخرت.
تمثل أمام عدالتكم اليوم…
خيانة الأمانة.
واستغلال المسؤولية.
والجشع.
والنفاق.
والصمت عن الحق.
والغرور الذي جعل بعض البشر يظنون أن المناصب أطول عمرًا من الأوطان.
قالت فلسطين:
ليتقدم المتهم الأول.
دخل…
وكان يحمل كرسيًا فوق ظهره.
قالت:
ما هذا؟
قال:
منصبي.
قالت:
بل هذا قيدك…
فمن حمل الكرسي أكثر مما حمل الأمانة…
أصبح أسيرًا له.
دوّنوا…
المتهم جعل المنصب غايةً لا وسيلة.
قالت:
ليتقدم المتهم الثاني.
دخل…
وثوبه ناصع البياض.
لكن ظله كان حالكًا.
قالت:
كيف بقي ثوبك أبيض؟
قال:
كنت أجيد الظهور.
قالت:
لكن الحقيقة…
كانت ترى ما لا يراه الناس.
دوّنوا…
المتهم انشغل بتلميع صورته… وأهمل صورة وطنه.
ثم قالت:
أحضروا الشاهد الأول.
دخل…
الوقت.
كان شيخًا…
وجهه مليءٌ بالتجاعيد…
وعيناه مثقلتان بسنواتٍ لم تُستثمر كما ينبغي.
قالت له:
من أنت؟
قال:
أنا الوقت…
الذي كان يكفي لبناء وطن…
فضاع في بناء المصالح.
أنا السنوات التي انتظر فيها الناس…
حتى تعب الانتظار منهم.
أنا العمر الذي مضى…
ولن يعود.
فأطرقت المحكمة صامتة…
وكأن عقارب الساعة توقفت خجلًا.
قالت فلسطين:
أحضروا الشاهد الثاني.
دخل…
الرغيف.
كان يابسًا…
مكسور الحواف…
هزيلًا كأنه خرج لتوّه من بيتٍ أثقله الفقر.
قالت:
ما شهادتك؟
قال:
كنتُ أدخل كل بيت.
ثم أصبحتُ ضيفًا ثقيلًا.
كلما ارتفعت الأسعار…
صغر حجمي.
وكلما كثرت الوعود…
ازداد جوع الأطفال.
وكلما امتلأت الخطب…
فرغت الموائد.
فانخفضت الرؤوس…
ولم يجرؤ أحدٌ على النظر إليه.
قالت فلسطين:
أحضروا الشاهد الثالث.
دخلت…
أمٌّ فلسطينية.
لم تتكلم.
وضعت على منصة المحكمة…
صورة ابنها…
وثوب عمل زوجها…
ودفترًا مدرسيًا لطفلها…
ورغيفًا يابسًا…
ثم جلست.
قالت فلسطين:
لا تستجوبوها…
ففي صمتها شهادة.
وفي عينيها قضية.
وفي الدموع التي لم تنزل…
ألفُ مرافعة…
وألفُ حكم.
فبكت القاعة…
وبقيت فلسطين وحدها لا تبكي…
لأن الأوطان…
حين تبلغ ذروة الألم…
تتوقف عن البكاء…
وتبدأ بإصدار الأحكام.
ثم نهضت فلسطين.
وأغلقت ملف القضية.
وضربت بمطرقتها ثلاث مرات.
وقالت:
باسم الحق…
وباسم دموع الأمهات…
وباسم الأطفال الذين كبروا على الانتظار…
وباسم الشهداء الذين أوفوا للوطن حتى آخر قطرةٍ من دمائهم…
وباسم كل إنسانٍ بقي وفيًّا لفلسطين رغم قسوة الأيام…
حكمت محكمة التاريخ…
بإدانة خيانة الأمانة.
وإدانة استغلال المسؤولية.
وإدانة كل ضميرٍ باع الحقيقة من أجل مصلحةٍ زائلة.
وتقضي المحكمة…
بأن يُسقط التاريخ عن المدانين شرفَ الادعاء بخدمة الوطن، فلا يُمنح هذا الشرف إلا لمن صان الأمانة ورفع شأن الإنسان.
وتقضي المحكمة…
بأن تبقى أفعالهم شاهدًا عليهم، تُقرأ كلما ذُكر وجع الناس وكلما سُئل: كيف تُستنزف الأوطان؟
وتقضي المحكمة…
بأن يحملوا في صفحات التاريخ مسؤولية كل حلمٍ انكسر، وكل ثقةٍ تبددت، وكل فرصةٍ ضاعت، لأن خيانة الأمانة لا تُقاس بما أُخذ فقط… بل بما حُرم الناس من أن ينالوه.
ثم وقفت فلسطين…
ونظرت إلى الجميع.
وقالت:
قد ينجو الإنسان من محكمة الدنيا مؤقتًا…
وقد ينجح في تبرير وتزوير أفعاله أمام الناس…
لكن لا أحد ينجو من محكمة التاريخ.
فالتاريخ لا يقبل استئنافًا…
ولا يعرف تزويرًا…
ولا تسقط أحكامه بالتقادم.
ثم هوت المطرقة…
فاهتزت القاعة.
وساد صمتٌ…
كان أبلغ من كل الكلمات.
ورُفعت الجلسة.

