آراء

في وداع ماهر يونس

8 مشاهدة
في وداع ماهر يونس

الكاتب : اللواء بلال النتشة 

هناك رجال لا يقاسون بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما حملوه من معنى، وما تركوه في ضمير شعبهم من أثر. والراحل الكبير ماهر يونس الذي غيبه الموت فجأة عن عالمنا صباح الأحد الخامس من تموز 2026، كان واحدًا من هؤلاء الذين تحولت حياتهم إلى مرآة لقضية بأكملها، حتى بدا وكأن عمره الشخصي امتد ليختصر عمر شعب ما زال يخوض معركته الطويلة من أجل الحرية والكرامة.

رحل ماهر يونس، لكن اسمه لن يغيب عن الذاكرة الفلسطينية. فهو ليس مجرد أسير أمضى أربعين سنة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ولا مجرد محرر عاد إلى أهله بعد انتظار امتد أربعة عقود، بل هو إنسان عاش تجربة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ تجربة صنعتها الإرادة الفلسطينية، وصقلها الألم، وخلدها الصبر.

كان يمكن لأربعين سنة أن تغير ملامح الإنسان وأفكاره، وأن تترك في داخله شيئًا من الانكسار أو التعب، لكن ماهر يونس خرج من السجن محتفظًا بصفاء إيمانه بقضيته، وبهدوء المناضلين الذين يعرفون أن التاريخ لا يكتب بالانفعالات، وإنما بالثبات . خرج يحمل ابتسامة رجل انتصر على الزمن، لا لأن السجن كان أقل قسوة، بل لأن إرادته كانت أقوى من كل محاولات القهر.

ولد ماهر يونس في بلدة عارة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، في بيئة عرفت مبكرًا معنى البقاء على الأرض ومعنى الهوية الفلسطينية التي حاول الاحتلال محوها بكل الوسائل . ومن هناك بدأت حكايته مع الانتماء الوطني، قبل أن تبدأ حكايته مع السجن.

كان انتماؤه إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" امتدادًا طبيعيًا لقناعته بأن فلسطين تحتاج إلى مشروع وطني جامع، يحفظ هويتها ويصون وحدتها ويقاوم الاحتلال . لم يكن الانتماء بالنسبة إليه شعارًا يرفع في المناسبات، بل التزام أخلاقي وإنساني دفع ثمنه من عمره كله تقريبًا .

في عام 1983، اعتقلته سلطات الاحتلال، وأصدرت بحقه حكمًا بالسجن المؤبد، ليبدأ فصلًا طويلًا من المعاناة، تحول مع مرور السنوات إلى أحد أبرز عناوين الحركة الأسيرة الفلسطينية . أربعون سنة ليست مجرد رقم في سجل الاعتقال؛ إنها أربعة عقود من الحرمان من العائلة، ومن رؤية الوالدين وهما يشيخان، ومن مشاركة الإخوة والأصدقاء أفراحهم وأحزانهم، ومن معايشة تفاصيل الحياة التي تبدو بسيطة لمن يعيشها، لكنها تصبح حلمًا بعيدًا لمن يقضي عمره خلف القضبان.

ورغم كل ذلك، لم يكن ماهر يونس أسيرًا للزنزانة بقدر ما كان أسيرًا لفكرة الحرية. أدرك أن الاحتلال يستطيع أن يقيد الجسد، لكنه لا يستطيع أن يعتقل الوعي أو يطفئ الإيمان بعدالة القضية. ولذلك كان واحدًا من أولئك الأسرى الذين جعلوا من المعتقل مدرسة للثقافة والصبر والتنظيم، وحافظوا على الروح الجماعية للحركة الأسيرة في مواجهة محاولات العزل والتفكيك.

لقد مرت على ماهر يونس أجيال كاملة وهو داخل السجن. تبدلت الحكومات الإسرائيلية، وتعاقبت القيادات الفلسطينية، وتغيرت خرائط المنطقة، وشهد العالم تحولات سياسية كبرى، بينما ظل هو يراقب كل ذلك من خلف الأسلاك، محتفظًا بخيط رفيع يربطه بوطنه، وبأمل لم ينقطع يومًا في أن يأتي موعد الحرية.

وعندما خرج إلى النور بعد أربعين سنة، لم يكن يحمل لغة المنتقم، وإنما لغة الإنسان الذي يعرف قيمة الحياة. كان يدرك أن الزمن الذي مضى لا يمكن استعادته، لكنه كان يؤمن أن الحرية، مهما تأخرت، تبقى أجمل من اليأس، وأن الإنسان لا يخسر معركته ما دام متمسكًا بكرامته.

لقد كان حضور ماهر يونس بعد تحرره هادئًا ومؤثرًا في الوقت نفسه. لم يحاول أن يجعل من نفسه بطلًا فوق الناس، بل بقي قريبًا من أبناء شعبه، يتحدث عن الأسرى الذين تركهم خلفه أكثر مما يتحدث عن نفسه، وكأنه كان يشعر بأن رسالته لم تنتهِ بخروجه من السجن، وإنما بدأت من جديد .

ولعل أكثر ما يلفت في تجربة ماهر يونس أنها أعادت التذكير بقيمة الإنسان الفلسطيني، وبقدرته على تحويل الألم إلى طاقة للصمود . ففي زمن تزداد فيه القسوة، وتتعاظم فيه محاولات تغييب الرواية الفلسطينية، بقيت سيرته شهادة حية على أن الاحتلال، مهما امتلك من أدوات القوة، يبقى عاجزًا عن إخضاع الإنسان الذي يؤمن بحقه.

لقد شكلت حركة فتح عبر مسيرتها الوطنية مدرسة خرج منها آلاف الشهداء والأسرى والمناضلين، وكان ماهر يونس أحد أبناء هذه المدرسة الذين حملوا الفكرة بإخلاص، ولم يتراجعوا عنها رغم قسوة التجربة. ولم يكن حضوره في الوجدان الفتحاوي نابعًا فقط من طول سنوات اعتقاله، وإنما من ثباته على المبادئ التي آمن بها منذ شبابه، وإصراره على أن يبقى الانتماء الوطني فوق كل اعتبار .

ولذلك، فإن الحديث عن ماهر يونس ليس حديثًا عن فرد، بل عن جيل كامل كتب سيرته بالحبر والدم والصبر. جيل آمن بأن فلسطين تستحق التضحية، وأن الحرية لا تُمنح، وإنما تُنتزع بإرادة أصحابها. ومن حق هذا الجيل علينا ألا نختصره في أرقام السنوات، ولا في صور الاستقبال والوداع، بل أن نقرأ تجربته بوصفها جزءًا أصيلًا من التاريخ الفلسطيني الحديث .

إن رحيل ماهر يونس يوقظ فينا سؤالًا كبيرًا عن معنى العمر حين يُكرَّس لقضية عادلة. فقد عاش أربعين سنة أسيرًا، لكنه ظل حرًا في فكره ووجدانه، بينما عاش كثيرون خارج السجون أسرى للخوف أو اللامبالاة . وهنا تكمن القيمة الحقيقية لتجربته؛ أنها تعلمنا أن الحرية تبدأ من الداخل قبل أن تتحقق في الخارج.

وفي وداعه، لا نملك إلا أن نستحضر صورته وهو يعانق الحرية بعد انتظار طويل، ثم صورته وهو يغادر الدنيا تاركًا وراءه سيرة يصعب أن تتكرر . لقد أدى رسالته كما آمن بها، ودفع ثمن خياراته كاملة دون تردد أو مساومة، وسيبقى واحدًا من الوجوه الفلسطينية التي تذكرنا بأن الكرامة ليست شعارًا، وإنما أسلوب حياة.

رحم الله ماهر يونس، الذي لم يكن مجرد اسم في سجل الأسرى، بل كان حكاية وطن، وصوتًا من أصوات فلسطين التي بقيت تنبض حتى في أكثر الزنازين ظلمة. وستظل سيرته شاهدًا على أن الإنسان الفلسطيني، مهما اشتدت عليه المحن، قادر على أن يحول سنوات القيد إلى درس في الصبر، وأن يحول الألم إلى ذاكرة وطنية لا يطويها النسيان .

سلامٌ على روحك يا ماهر، يوم اخترت طريق النضال، ويوم خرجت من الأسر مرفوع الرأس، ويوم غادرت الدنيا وقد تركت للأجيال معنىً عميقًا للوفاء، وللثبات، وللإيمان بأن فلسطين أكبر من السجن، وأبقى من الغياب.

*الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس