آراء

ولنا أن نستمرّ

9 مشاهدة
ولنا أن نستمرّ

الكاتب : تحسين يقين

أسعدني قراءة خبر صغير بأن العراق الشقيق حقق الاكتفاء الذاتي من القمح وتلقى عروضاً للتصدير . خبر صغير لكنه يحمل في معناه مضمونا كبيرا .
لم يكن تأمين القمح يشكّل تحديا لبلادنا،فالأرض العربية، ما عدا الصحراوية منها، قابلة لزراعة الحبوب، والذي يثمر خلال ثلاثة أشهر ونصف الشهر، أو أكثر قليلا، فمن يزرع في شهر شباط يحصد في أيار، حسب منطقة الزراعة، من جبال أو سهول . ويمكن الرجوع للتاريخ مثلا للمهتمين بزراعة القمح على جانبي نهر الأردن، كذلك يمكن تتبع تاريخ زراعة القمح في بلادنا العربية. ولكن وبالرغم مما آلت إليه أحوال الزراعة في بلادنا، فإنّ هناك ما يسعدنا، بأن تحقق إحدى البلاد حاجتها.
لا ينفصل اكتفاء بلد بإنتاج القمح عما نعيشه من تحديات تتعلّق بالوجود نفسه على هذه الأرض . بل ثمة ما يدعو للأمل، فكل ما نحتاجه هو أن نفعل فقط، فنزرع كما زرع الآباء والأجداد . 
نصحو وننام على أفعال الاستعمار في بلادنا، فهو حين يعرض علينا مقترحاته، إنما يقرر فيما يعرض، فليست لنا الخيرة (الاختيار) من أمرنا. ولنا تأمل ما يصدر عن "مجلس السلام" من تصريحات بعيدة كل البعد عن مضمون السلام، فله مثلا أن يقرر أن يأخذ من مستحقات الموظفين الفلسطينيين ليمنحها رواتب مضاعفة للعاملين الافتراضيين في مجل السلام. ثمة ما يدعى لمشاعر متنوعة مختلطة، تثير في مجملها السخرية.
ولا تقف السخرية هنا في فلسطين، بل تمتد على تضاريس معظم جغرافيتنا، حيث حسمت الحرب المسعورة على غزة حالة التحرر العربيّ، وهكذا فقد أصبحت بلادنا وجها لوجه مع هذه الحقيقية الصريحة.
لم ينجح الخواجة سايكس والخواجة بيكو، في تقسيم بلاد الشام والعراق في سياق تقسم المنطقة بكاملها، بل، للأسف الشديد نجح في هندسة الشعور القطري فيما بعد، حتى إذا تم احتلال معظم (فلسطين الانتدابية) يتحدث أهل الشام مثلا عن احتلال فلسطين، فيما أن الاحتلال حدث فعلا لأرض لافي بلاد الشام وبلاد العرب بشكل عام. وهكذا تعلمنا في كتب التاريخ عن استقلال بلادنا العربية، ليتعمّق سؤال الطفولة الحزين الذي استغرب مبكّرا من هذه الاحتفالات، فكيف قبلنا نحن "الشوام" أن نقبل بأن الاحتلال هو لفلسطين فقط؟ وللأسف حين تم احتلال سيناء والجولان عام 1967، فقد تم التعامل مع الأمر بأن فلسطين هي الأرض المحتلة، وليس هذا فقط، فإن القبول الضمني بذلك كان يعني لنا ونحن أطفال وفتيان، هو قبول عربيّ بتقرير الخواجات لمصيرنا.
موجعة الأسئلة، وازدادت وجعا، حين وصلت الوقاحة الاستعمارية مبلغا مهينا الى آخر مدى، ليصحو العرب متأخرين، بأن الوصاية تشملنا جميعا، وأن وصف فلسطين المحتلة ليس دقيقا، فالأصح هو بلادنا المحتلة. وعليه، فإن أول الفعل هو تحقيق الاستقلال العربي، لأن ما تمّ كان استقلالا نسبيا، وهو يختلف من بلد إلى أخرى، فلا يمكن لغريق أن ينقذ غريقا.
في ظل هذا الاستقلال صعب التوصيف، يمكننا إن صدقنا في النوايا، تقوية العامل الذاتي، فإن وجدنا بلدا يحقق الاستقلال السياسي أو الاقتصادي، فيمكن دعمه بما نستطيع، لأن وجود بلاد عربية تملك ما يمكنها به تقرير مصيرها، فإنها ستكون سندا لآخرين في تقرير المصير، لأن الخلاص القومي واحد، والتحرير واحد.
ما نحتاجه أولا استعادة حقيقة بأن فلسطين المحتلة هي بلادنا المحتلة، فإن احتل جزء فإن ذلك يعني معاناة الكل من الاحتلال، وإنها معاناة شعوبنا العربية من الاحتلال. وهكذا فإن استعادة تشخيص الحال يدفع الى السير في سبل التحرر، والبدء الفعلي في تحقيق ما يلزم، ولعل الحراك العالمي اليوم لا يجعلنا فريسة محتكرة لدى قطب واحد، فهناك أقطاب أخرى لا تقوم سياستها الخارجية على الكولينيالية. 
لا تمنعنا أحوالنا، حتى المقيّدة منها، من ممارسة الفعل، والذي يبدأ من ضمان الحدّ الأدنى من وحدة الموقف، وبحث ممكنات التعاون الاقتصادي، وخلق تسارع مستمر للاستفادة من ممتلكاتنا، والوصول بالنزاعات الداخلية قطريا وقوميا الى الصفر، وهذا يكون من خلال وعي المواطن العربي على "التسوّق".
لنا من نتفهم من سلوك النظم السياسية، ولنا ما نطمح به من ميول استقلالية، تبدأ بالتدرّج، فليس الغرب واحدا، فهو متنوع ويمكن التعاون مع جزء منه، أما الغرب المستعمر فهو بالنهاية ليس قدرا محكوما.
تحقيق الأشقاء العراقيين الإكتفاء من القمح، يعني كذلك تفعيل الزراعة في أحواض الماء العربي في كل مكان، ما يعني الاقتراب بقوة من تحقيق الأمن الغذائيّ العربيّ، والذي من خلال الاستمرار، سيعني تمكين الشعوب نفسها من تطوير وضعها، ما سيعني زيادة قوة الحكومات.
ليس هناك حكومة قوية، إلا إذا استقوت على المواطنين، ولكن بالأحرى هناك شعوب قوية، وأسر قوية وأفراد أقوياء وقويات.وهذا يعني أنه في سياق نهج استقلال اقتصادي، يسهل تحقق ممارسة ديمقراطية مسؤولة، يختار الناس نظم حياتهم، خصوصا نظامهم المعرفي والقيميّ.
لا يفيدنا الصراخ ولا الخطابة، بل الفعل الهادئ بدون ضجيج، ولنا في الشعوب التي نهضت قدوة حسنة، ما يعني أن النهوض هو فعل متكامل في التعليم والثقافة وعناصر الاقتصاد ومنظومة الحكم.
إن ما يزرعه المواطن على ضفاف دجلة والفرات، يعانق ما يزرعه أهل النيل؛ فكل نهر له ضفتان، ولكل بحيرة ضاف، ولكل سهل ماء في باطن أرضه، ولكل جبل "سناسل"، وإن أية استفادة من منجزات العلم والتكنولوجيا ستضاف الى الإنتاج الطيّب، المتمثل بالزراعة "البلدية" التي تفي صحتنا الجسدية والنفسية، لا الزراعة المصنوعة بالوهم.
في هكذا وضع نهوض وصعود قطريا وقوميا، سينبذ المجتمع العربي كل ما يتناقض معه في التعليم والإعلام والثقافة والتخطيط الشامل . سنكون بحاجة لكل الجهود المثمرة، لا "لأم أقوال"، ولن نقبل بديمومة مثلنا العربي "أمّ أقوال غلبت أمّ أفعال".
ليس لنا إلا بلادنا، ومن يقبل أن يتم ترحيل شعبنا، سيأتي عليه يوم يتكرر معه ما يحدث لنا . يمكننا فعل ذلك حين نبني على كل منجز تمّ بالعرق والدم، وفقط من خلال إيجابية الاستمرار سنصل إلى ما نريد . وما نريده فعلا هو الخير والسلام الحقيقيّ والكرامة .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.