الكاتب : رامي مهداوي
"المنفى ليس أن تبتعد عن الوطن، المنفى أن يبتعد الوطن عنك" محمود درويش
ليست كل الرحلات تُقاس بعدد المدن التي نزورها، ولا بعدد الصور التي نلتقطها، بل هناك رحلات نعود منها حاملين حكايات تغير نظرتنا إلى الإنسان والتاريخ معًا. هكذا كانت زيارتي إلى قبرص الأسبوع الماضي، حين تشرفت بضيافة صديقي جورجوس زيسيموس مع مجموعة من الأصدقاء الذين تشرفت بمعرفتهم، جورجوس لم يفتح لي باب منزله فقط، لكنه في الحقيقة فتح لي بابًا آخر؛ باب الذاكرة.
في ذلك البيت الريفي الهادئ، لم أشعر أنني ضيف على عائلة قبرصية، بل إنني أجلس بين أناس أعرفهم منذ زمن بعيد. استقبلني والده ميخاليس زيسيموس، ووالدته الجميلة روزا زيسيموس، بمحبة صادقة لا تصنعها المجاملات، وإنما تصنعها التجارب القاسية التي تعلم الإنسان كيف يحتضن الآخرين.
في صباح اليوم الثاني، وبعد يوم متعب من السباحة في بحر قبرص الهادئ، جلسنا في أجواء أكثر خفة وهدوءًا. وحين كنت احاول الإستيقاظ بابتسامة عابرة، سألت إن كان لديهم قهوة عربية أو تركية، فضحك ميخاليس وقال بعفوية: “لدينا قهوة قبرصية فقط”. ضحكنا جميعًا، وكأننا في تلك اللحظة نعيد اكتشاف المعنى البسيط للأشياء؛ فالقهوة، مثل الذاكرة واللجوء، قد تختلف أسماؤها، لكنها تحتفظ بذات الدفء حين تُشرب بين أناس يجمعهم الود والإنسانية .
جلسنا لساعات طويلة، ولم يكن حديثنا عن السياسة بقدر ما كان عن الإنسان. عن البيت حين يتحول إلى ذكرى، وعن المدينة التي تظل تسكن أصحابها حتى وإن مُنعوا من العودة إليها، وعن اللجوء الذي لا ينتهي بمجرد العثور على مأوى جديد.
ولد جورجوس في مدينة فاماغوستا في التاسع والعشرين من أيار عام 1947. هناك بدأ كل شيء؛ الطفولة، والبحر، والأحلام الصغيرة التي يظن الأطفال أنها سترافقهم إلى الأبد. لكن التاريخ، كما يفعل دائمًا، قرر أن يكتب فصلًا آخر.
في صيف عام 1974، اجتاحت القوات التركية شمال قبرص، ووجدت آلاف العائلات نفسها أمام خيار لم تختره يومًا: الرحيل أو مواجهة المجهول. خرجت عائلة ميخاليس من فاماغوستا، تاركة خلفها المنزل والذكريات وكل ما يجعل المكان وطنًا. لم يحملوا معهم سوى ما استطاعت الأيدي أن تحمله، أما ما عجزت الأيدي عن حمله، فقد بقي هناك؛ الصور، والأشجار، وضحكات الأطفال، وأسماء الجيران، ورائحة البحر.
اتجهت العائلة إلى لندن لاجئة، حيث بدأت حياة جديدة لم يكن أحد منهم يتخيلها. سنوات من الغربة، ومحاولات متواصلة لإعادة بناء حياة مستقرة، حتى عادوا إلى قبرص عام 1976. لكن العودة لم تكن عودة كاملة؛ فقد عادوا إلى الوطن، ولم يستطيعوا العودة إلى مدينتهم. استقروا في بافوس، بينما بقيت فاماغوستا تسكن ذاكرتهم أكثر مما يسكنونها.
وأنا أستمع إلى ميخاليس، شعرت أنني لا أستمع إلى قصة قبرصية فقط، بل إلى فصل آخر من الحكاية الفلسطينية. التفاصيل تختلف، لكن الألم واحد. اللاجئ، أيًا كانت هويته، يحمل حقيبتين؛ واحدة يضع فيها ما تبقى من ممتلكاته، وأخرى يضع فيها وطنًا كاملًا لا يستطيع أحد أن يصادره.
لم يكن ميخاليس يتحدث بروح الضحية، بل بروح الإنسان الذي قرر ألا يسمح للمأساة بأن تكون نهاية حياته. كان يتحدث بهدوء الواثق، ويستعيد الذكريات دون كراهية، وكأنه يؤمن بأن أقسى الهزائم هي أن يسمح الإنسان للمنفى بأن يحتل قلبه كما احتل أرضه.
أما روزا، فقد كانت البطلة الصامتة في هذه الحكاية. أدركت وأنا أراقبها أن التاريخ كثيرًا ما يكتب أسماء القادة والجنرالات، لكنه ينسى النساء اللواتي أنقذن عائلات بأكملها من الانهيار. كانت السند الحقيقي لزوجها، والشريكة التي حملت معه أعباء الغربة، وربت أبناءها على الأمل بدلًا من الانتقام، وعلى العمل بدلًا من اليأس.
وربما لهذا لم تتوقف قصة اللجوء عند حدود الألم، بل تحولت إلى قصة نجاح إنسانية. فقد استطاع ميخاليس وروزا أن يؤسسا عائلة أصبحت اليوم نموذجًا مشرفًا؛ ثلاثة أبناء وابنة، جميعهم ناجحون في حياتهم المهنية، وفاعلون في مجتمعهم، يحملون قيم أسرتهم أكثر مما يحملون جراحها.
حينها أدركت أن أعظم انتصار على اللجوء ليس استعادة البيت، بل ألا يسمح الإنسان للجوء بأن يهزم أبناءه. فهناك من يرث أبناءه الخوف، وهناك من يورثهم الكرامة. وعائلة جورجوس اختارت الطريق الأصعب والأجمل معًا.
لم أكن أرى أمامي عائلة قبرصية فقط، بل كنت أرى صورة لعشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية التي عاشت التجربة ذاتها. كم من أبٍ فلسطيني حمل أبناءه ورحل وهو يعتقد أن الغياب لن يطول؟ وكم من أمٍ أخفت دموعها حتى لا يراها أطفالها؟ وكم من عائلة نجحت، رغم كل شيء، في أن تبني حياة جديدة بينما ظل مفتاح البيت القديم معلقًا في القلب قبل أن يُعلَّق على الجدار؟
هنا يكتشف الإنسان أن اللجوء لا يحمل جنسية، وأن الحنين لا يحتاج إلى مترجم. فالدموع التي سالت في فاماغوستا تشبه تلك التي سالت في القدس ويافا وحيفا وغزة، كما أن الأمل الذي حافظ على العائلات القبرصية هو ذاته الذي حافظ على بقاء الفلسطينيين رغم عقود طويلة من الاقتلاع.
غادرت منزل عائلة جورجوس وأنا أشعر أنني لم أزر أسرة فحسب، بل زرت مدرسة في الصمود الإنساني. تعلمت من ميخاليس أن الرجال لا يُقاسون بعدد السنوات التي عاشوها، بل بعدد الأرواح التي حموها. وتعلمت من روزا أن الأوطان تبدأ من الأسرة، وأن المرأة ليست شاهدة على التاريخ، بل إحدى أهم صانعاته.
وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أنهي هذه السطور إلا بما يلخص تلك الساعات التي جمعتني بهذه العائلة النبيلة. فقد كتب الشاعر القبرصي الكبير كوستاس مونتيس أن "الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو المكان الذي يواصل العيش في داخلنا حتى عندما نفقده."
وأنا أودع جورجوس ووالديه، لم أرَ لاجئين من الماضي، بل رأيت أسرة انتصرت على المنفى. أدركت أن الاحتلال قد يستولي على الأرض، وقد يجبر الناس على الرحيل، لكنه يعجز دائمًا عن هزيمة العائلة التي تؤمن بالمحبة، وتحول الألم إلى قوة، والذاكرة إلى حياة جديدة. وتلك، في النهاية، هي أجمل انتصارات الإنسان.
وغادرت منزل عائلة جورجوس بعد ساعات بدت وكأنها تختصر أعمارًا كاملة من الحكايات. وقبل أن أرحل، لم أجد ما أقوله يوازي ما شعرت به، فاكتفيت بأن قبلت رأس الوالدين، ميخاليس وروزا، في لحظة صامتة حملت امتنانًا أكبر من الكلمات. كانت تلك القبلة أقرب إلى اعتراف غير معلن بأنني لم أكن مجرد ضيف في بيت، بل شاهد على ذاكرة إنسانية كاملة.
خرجت من البيت باتجاه المطار، بينما بقيت صور الوجوه والكلمات والأماكن عالقة في داخلي أكثر من أي حقيبة. وفي الطريق إلى العودة إلى فلسطين، شعرت أن الرحلة الحقيقية لم تكن إلى قبرص، بل إلى فهم أعمق لمعنى اللجوء، والبيت، والإنسان...
شكراً صديقي جورجوس...

