آراء

السياسة الفلسطينية: بيت يشيخ بأبواب مغلقة

35 مشاهدة
السياسة الفلسطينية: بيت يشيخ بأبواب مغلقة

كتبت: فداء البرغوثي 

حين ينظر كثيرون في الغرب إلى القضية الفلسطينية، يتجه الاهتمام غالبا إلى الاحتلال، والحرب، والمفاوضات، والتوازنات الإقليمية. وهذه كلها مفاتيح أساسية لفهم المشهد. إلا أن صورة فلسطين السياسية تبدو أوسع من ذلك، وأكثر تعقيدا، وأكثر التصاقا بالحياة اليومية للفلسطينيين. فثمة بعد آخر يحضر خافتا في النقاش الدولي، رغم أثره العميق في فرص الاستقرار، وفي نوعية الحكم، وفي قدرة المجتمع على تحويل طاقته إلى فعل سياسي منظم؛ وهو بنية النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وما راكمه عبر السنوات من شيخوخة مؤسسية، وضيق في قنوات المشاركة، وتباطؤ في القدرة على التجدد.

ولعل الصورة الأقرب إلى هذا الواقع هي صورة بيت يشيخ بأبواب مغلقة. بيت قائم، تستند جدرانه إلى تاريخ وطني ثقيل بالتضحيات، وتحتفظ غرفه بذاكرة جماعية عميقة، وتقوم داخله مؤسسات نشأت في ظروف شديدة التعقيد، وتحت ضغط دائم فرضته تحولات الداخل وقسوة الخارج . ومع ذلك، يقف هذا البيت اليوم أمام حاجة ملحة إلى هواء جديد، ونوافذ أوسع، وممرات أكثر انفتاحا، ومساحة تسمح لجيل جديد بالدخول، والمشاركة، والمساهمة في صياغة المستقبل الفلسطيني بلغة هذا العصر وأدواته.

المسألة الفلسطينية، في هذا السياق، تتجاوز الصراع المفتوح مع قوة احتلال تفرض قيودها على الأرض والحركة والاقتصاد . وهي تشمل أيضا سؤالا داخليا يتعلق بقدرة النظام السياسي على مواكبة مجتمعه. فالمجتمع الفلسطيني، بما يملكه من مستويات تعليم مرتفعة، وطاقات شبابية واسعة، وحضور نسائي متقدم، وخبرات متراكمة في العمل الأهلي والمهني والأكاديمي، يتحرك بوتيرة أسرع من الإطار السياسي المفترض أن يستوعبه ويعبر عنه. ومن هنا تتسع واحدة من أهم فجوات المشهد الفلسطيني المعاصر: مجتمع يتغير، ونظام عام يتحرك بإيقاع أبطأ من حيوية الناس وتحولاتهم.

وفي الضفة الغربية وغزة والقدس والشتات، برز جيل كامل تشكل وعيه في عالم رقمي، مفتوح على أفكار الحوكمة الرشيدة، والمساءلة، والتمثيل الحديث، وتداول المسؤولية. هذا الجيل يراقب كيف تتجدد الأحزاب في العالم، وكيف تتشكل الحركات الاجتماعية، وكيف تعيد الديمقراطيات تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة. ثم يلتفت إلى واقعه المحلي فيجد فضاء سياسيا أضيق من طاقته، ومسارات مشاركة محدودة، ومؤسسات تحتاج إلى تحديث أعمق من التعديل الشكلي، وانفتاح يعيد وصل السياسة بالمجتمع.

وهنا تبرز القضية المركزية بوضوح: كل مشروع وطني يحتاج إلى شرعية متجددة، والشرعية في العصر الحديث تتعزز بالمشاركة، والشفافية، والمساءلة، وتجديد النخب، وتوسيع المجال العام. أما التاريخ النضالي، على جلاله، فتزداد قوته حين يلتقي مع شرعية الإنجاز، وثقة الناس، وحضورهم الفعلي في صناعة القرار.

المجتمع سبق السياسة ..

أحد أكثر الجوانب لفتا في الحالة الفلسطينية أن المجتمع أظهر قدرة عالية على التطور رغم شدة القيود. الجامعات الفلسطينية واصلت إنتاج المعرفة. النساء تقدمن في التعليم والمهن والخدمة العامة. الشباب طوروا أدواتهم في التكنولوجيا والإعلام وريادة الأعمال والعمل المجتمعي . البلديات والمؤسسات المحلية راكمت خبرات مهمة في إدارة الخدمات والتعامل مع الأزمات. والقطاع الأهلي حافظ على حضور نشط في مجالات التنمية والحقوق والتعليم والإغاثة.

هذه الحيوية المجتمعية تعني أن فلسطين تمتلك رأسمال بشري وسياسي كبيرين . غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى قنوات مؤسسية أوسع تسمح له بالتأثير في صناعة القرار . فعندما يتقدم المجتمع أسرع من السياسة، تتولد مسافة بين الطاقة المتاحة والقدرة على توظيفها. وعندما يشعر المواطن أن مساهمته محدودة الأثر، تتراجع الثقة العامة، وتفقد المؤسسات جزءا من قدرتها التعبوية.

كلفة الأبواب المغلقة ..

النظم السياسية التي تضيق بقنوات المشاركة تدفع أثمانا متراكمة. أول هذه الأثمان هو تباطؤ التجدد الداخلي، حيث تبقى النخب ذاتها في الواجهة زمنا طويلا، بينما تتغير البيئة الاجتماعية والاقتصادية من حولها. وثانيها تآكل الثقة العامة، إذ يبحث المواطن عن جدوى حضوره في المجال العام، وعن أثر صوته ومساهمته. وثالثها ضعف القدرة على بناء توافقات وطنية واسعة، لأن المجتمعات الحديثة تحتاج إلى مؤسسات تستوعب التعدد وتنظمه ضمن قواعد مشتركة.

في الحالة الفلسطينية، تزداد هذه الكلفة حساسية بسبب وجود احتلال طويل الأمد يضغط على الموارد والوقت والحركة والأفق السياسي. وفي مثل هذا السياق، تصبح المرونة الداخلية، وسرعة الاستجابة، وارتفاع منسوب الثقة العامة عناصر شديدة الأهمية للصمود الوطني.

أين تبدأ فرصة التجدد؟ ..

فرصة التجدد تبدأ من الداخل الفلسطيني نفسه، من المجتمع الذي أثبت قدرته على التعلم والتنظيم والابتكار تحت أصعب الظروف. تبدأ من الجامعات التي تخرج أجيالا متمرسة بالمعرفة. تبدأ من النساء اللواتي يحملن أدوارا مركزية في الاقتصاد والتعليم والمجتمع. تبدأ من الشباب الذين يتعاملون مع العالم بلغته الحديثة وأدواته الرقمية. تبدأ من المهنيين ورجال الأعمال والمبادرات المحلية والبلديات والنقابات التي راكمت خبرة عملية في إدارة الشأن العام.

هذا المخزون البشري يمثل الثروة الفلسطينية الأهم. وكل مشروع سياسي جاد سيجد مادته الأولى جاهزة في الناس أنفسهم، وفي قدرتهم على المشاركة حين تنفتح الأبواب وتتسع المسارات.

ما الذي يحتاجه البيت الفلسطيني؟

يحتاج البيت الفلسطيني إلى توسيع المجال العام، بحيث تصبح المشاركة المنتظمة جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. يحتاج إلى انتخابات دورية حين تتوافر الظروف الممكنة، وإلى آليات تمثيل مرنة حين تتعقد الظروف. يحتاج إلى تجديد النخب عبر إدماج الكفاءات الشابة والنسائية والمهنية في مواقع القرار. ويحتاج إلى إدارة عامة تربط الشرعية بجودة الأداء كما تربطها بالتاريخ الوطني.

ويحتاج أيضا إلى قضاء مهني موثوق، ومؤسسات رقابية فعالة، وإدارة شفافة للموارد، وسياسات تواصل تجعل المواطن شريكا مطلعا وقريبا من القرار. ويحتاج إلى ثقافة سياسية تعتبر الاختلاف طاقة قابلة للتنظيم، وتتعامل مع التنوع بوصفه مصدر قوة، وتبني قواعد مشتركة لإدارة التنافس ضمن إطار وطني جامع.

ماذا يعني ذلك للعالم؟

يعني ذلك أن فلسطين ساحة قدرة كامنة، ومجتمع يملك من التعليم والخبرة والمرونة ما يؤهله لبناء نموذج سياسي أكثر نضجا حين تتوافر له المسارات المناسبة. ويعني أن القراءة الدقيقة للمشهد الفلسطيني تبدأ من الإنسان الفلسطيني بوصفه فاعلا، ومن المجتمع بوصفه مولدا للحلول، ومن الطاقة الداخلية بوصفها المحرك الأهم لأي تحول مستدام.

كما يعني أن الاستقرار الحقيقي في فلسطين ينمو من مؤسسات تحظى بالثقة، ومن قيادة متجددة الصلة بمجتمعها، ومن مجال عام يسمح بتداول الأفكار والكفاءات والمسؤوليات. فالاستقرار الذي يقوم على الحيوية المؤسسية أعمق أثرا وأكثر استدامة من الاستقرار القائم على الجمود.

وأخيرا، البيت الفلسطيني ما زال قائما، وفي داخله ذاكرة وطنية كبيرة، وصلابة اجتماعية نادرة، وطاقات بشرية استثنائية. وكل بيت يمتلك هذا القدر من الحياة يملك أيضا قدرة التجدد. السياسة الفلسطينية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية: أن تفتح الأبواب، وتسمح بدخول الهواء الجديد، وتمنح المجتمع مكانه الطبيعي في القيادة والمساءلة وصناعة المستقبل. وحين يحدث ذلك، سيكتشف العالم أن أكثر ما يستحق الاستثمار في فلسطين لم يكن الحجر وحده، بل الإنسان الذي ظل، طوال كل هذه السنوات، يبني داخل العاصفة، ويحفظ الفكرة، ويحمل الوطن إلى الغد.

*مستشارة النوع الاجتماعي والإعلام