آراء

على حافة الراتب ... وعلى حافة الوطن .. 

64 مشاهدة
على حافة الراتب ... وعلى حافة الوطن .. 

الكاتب : يونس العموري 

ثلاثة اعوام مضت، والموظف الفلسطيني في القطاع العام يقف على حافة الانتظار، لا يعرف اهو موظف يتقاضى اجرا على عمله ام متسول محترف يتقن فن الوقوف في طوابير الرجاء. ثلاثة اعوام وهو يتلقى اشباه الرواتب كما يتلقى المريض جرعات المسكنات التي لا تعالج المرض بل تؤجل الانهيار...  ثلاثة اعوام من الوعود والبيانات والخطب والتبريرات، حتى اصبحت الكلمات ارخص من الورق الذي تكتب عليه، واصبح الصمود شعارا يرفع في وجه الجائعين كلما ضاقت الاحوال، وكأن الصمود تحول من قيمة وطنية نبيلة الى وصفة سحرية تلقيها الحكومات على الناس كلما عجزت عن ايجاد الحلول... 

في هذا الوطن المثقل بالجراح، لم يعد الموظف يفتح هاتفه مترقبا رسالة البنك التي تعلن نزول راتبه، بل يفتحه مترقبا حجم الخسارة الجديدة، وحجم الاقتطاع الجديد، وحجم الاهانة الجديدة. صار الراتب حدثا استثنائيا، وصارت الحياة الطبيعية حلما بعيد المنال ... الموظف الذي كان قبل سنوات يخطط لمستقبل ابنائه، بات اليوم يخطط لكيفية النجاة حتى نهاية الشهر، وكيف يوزع ما تبقى من الفتات بين الدواء والغذاء والكهرباء والماء ورسوم المدارس واقساط الجامعات... 

والمشهد الاكثر قسوة ان هذا الموظف الذي افنى عمره في خدمة المؤسسات العامة، وجد نفسه فجأة مطاردا من الجميع ... البنك يطارده لانه يريد قسطه كاملا غير منقوص، وشركات التمويل تلاحقه كما يلاحق الصياد فريسته الجريحة، وفواتير الكهرباء تتراكم كجبال فوق صدره، وفواتير المياه تذكره كل شهر بعجزه، وشركات الاتصالات لا يعنيها شيء من قصص الصمود والخطابات الوطنية، والمدارس الخاصة تنتظر اقساطها، والجامعات تريد رسومها، والصيدليات تريد اثمان الادوية، وصاحب البقالة الذي كان يمنحه مهلة اصبح هو نفسه غارقا في الديون... لقد تحول الموظف في كثير من الاحيان من مواطن منتج الى انسان يعتذر طوال الوقت...  يعتذر للبقال، ويعتذر لصاحب المنزل، ويعتذر لابنته التي تحتاج مصروفا، ويعتذر لابنه الذي يريد كتابا جامعيا، ويعتذر لزوجته التي تؤجل احتياجات البيت مرة بعد اخرى .. حتى صار الاعتذار وظيفة موازية لوظيفته الاصلية.

اما اولي الامر فينا، فقد اتقنوا فن الحديث عن الازمات اكثر مما اتقنوا فن حلها...  كل عام يحملون للناس الاسباب ذاتها، والذرائع ذاتها، والتفسيرات ذاتها، وكأن الزمن توقف عند نقطة واحدة. الاحتلال سبب، والاقتطاعات سبب، والظروف الاقليمية سبب، والازمات المالية سبب، وكل ذلك قد يكون صحيحا، لكن السؤال الذي يطارد العقول .. ماذا فعلتم خلال ثلاثة اعوام؟ واين هي الخطط؟ واين هي البدائل؟ واين هي الرؤى؟ وكيف تحولت الازمة من ظرف استثنائي الى نمط حياة دائم؟ لقد ظهر في هذه المرحلة امراء المرحلة، اولئك الذين يجلسون في الابراج العالية ويتحدثون عن الصمود من خلف النوافذ المغلقة... يطلبون من الناس مزيدا من التحمل، بينما لم يشرحوا لهم الى متى سيستمر هذا التحمل... يطالبون الموظف بالصبر، لكنهم لا يقدمون له سوى المزيد من المواعيد المؤجلة... يطالبونه بالثبات، لكنهم لا يخبرونه لماذا لا تهتز مواقعهم هم تحت وطأة الفشل المستمر.

وفي زوايا المشهد يقف ملوك الجماعات والاقطاعيات الجديدة، اولئك الذين حولوا الشأن العام الى مساحات نفوذ ومصالح ومناطق مغلقة... تتصارع الجماعات على الحصص والمواقع والمكاسب، بينما الموظف البسيط يحاول اقناع ابنه بان الجامعة ستنتظر قليلا، ويحاول اقناع صاحب البيت بان الايجار سيتأخر شهرا جديدا، ويحاول اقناع نفسه قبل الجميع بان الغد ربما يكون افضل...

المفارقة المؤلمة ان الموظف لم يعد يخشى الفقر فقط، بل صار يخشى الكرامة المهددة كل يوم. فالفقير قد يتألم من قلة المال، اما الموظف الذي كان يظن نفسه مستقرا ثم وجد نفسه عاجزا عن الوفاء بالتزاماته، فهو يتألم من شيء اعمق... يتألم من شعوره المتكرر بالعجز... يتألم حين يرى نظرات الدائنين... يتألم حين يتجنب الرد على الاتصالات... يتألم حين يتحول هاتفه الى مصدر للقلق لا وسيلة للتواصل... يتألم حين يكتشف ان سنوات الخدمة الطويلة لم تحمه من الانكسار...

لكن الحقيقة التي يجب ان تقال ايضا ان المسؤولية لا تقع كلها على الحكومات وحدها... فالموظفون انفسهم يتحملون جزءا من المشهد... ليس لانهم سبب الازمة، بل لانهم قبلوا طويلا ان يكونوا ضحايا صامتين. قبلوا ان تتحول المعاناة الى امر اعتيادي. قبلوا ان يصبح نقص الراتب خبرا عاديا... قبلوا ان يكتفوا بالشكوى في المجالس الخاصة بينما يلوذون بالصمت في الفضاء العام...  فالصمت الطويل لا يحل الازمات، بل يمنحها عمرا اضافيا...

وكذلك الشعب الخانع الساكت الذي اعتاد التعايش مع كل شيء... شعب يثور على فاتورة صغيرة لكنه يصمت امام انهيار منظومة كاملة... شعب يلعن الظروف في الجلسات الخاصة ثم يعود الى حياته وكأن شيئا لم يكن. شعب استهلكته الخيبات حتى اصبح يعتبر المعاناة قدرا لا يمكن تغييره. وهذه اخطر مراحل الانكسار، حين يتحول الظلم من حالة طارئة الى واقع مقبول، وحين يصبح الاستثناء قاعدة، وحين يفقد الناس قدرتهم على الغضب...

ان الامم لا تنهار فقط بسبب قلة المال، بل تنهار عندما تفقد حساسيتها تجاه الازمات. تنهار عندما يصبح الجوع خبرا عاديا، والعجز امرا طبيعيا، والديون جزءا من الهوية اليومية... تنهار عندما يتعود الناس على تلقي الضربات دون ان يسألوا من المسؤول... تنهار عندما يتحول المواطن الى رقم في كشوفات العجز المالي، لا الى انسان له حياة وحقوق وكرامة...

وها هو الموظف الفلسطيني يقف اليوم في منتصف الطريق بين واجبه وحقه... يؤدي ما عليه قدر استطاعته، بينما حقه يتآكل شهرا بعد شهر. يذهب الى عمله كل صباح حاملا همومه فوق كتفيه، ويعود مساء محملا بالمزيد منها... لا يملك رفاهية الاستقالة، ولا يملك قدرة المواجهة، ولا يجد من ينقذه من دوامة الاستنزاف المستمرة... 

لقد اصبح السؤال الاكبر ليس متى تصرف الرواتب كاملة، بل كيف سمحنا جميعا بان نصل الى هذه النقطة؟ كيف تحولت ازمة مؤقتة الى واقع مزمن؟ كيف صار الموظف الذي كان يمثل الطبقة الوسطى عماد المجتمع، يقف اليوم على ابواب البنوك وشركات التمويل باحثا عن مهلة جديدة؟ كيف تحول الانسان الذي خدم مؤسسات بلاده سنوات طويلة الى شخص يلاحقه الدين من كل اتجاه؟

ثلاثة اعوام من الانتظار تكفي كي يشيخ الحلم، وثلاثة اعوام من الوعود تكفي كي تفقد الكلمات معناها، وثلاثة اعوام من الصمود القسري تكفي كي يتحول الصمود نفسه الى عبء ثقيل. ولذلك لم يعد المطلوب خطابات جديدة، ولا بيانات جديدة، ولا تفسيرات جديدة. المطلوب صدق في مواجهة الحقيقة، وشجاعة في تحمل المسؤولية، وارادة حقيقية للخروج من هذا النفق الطويل... فالاوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، ولا تستقيم بادارة الازمات فقط، ولا تحفظ كرامة مواطنيها عبر مطالبتهم الدائمة بالصبر. الاوطان تبنى حين يشعر المواطن ان تعبه ليس رخيصا، وان كرامته ليست بندا مؤجلا، وان حقوقه ليست منحة تعطى حين تتيسر الظروف... وحتى يتحقق ذلك سيبقى الموظف الفلسطيني شاهدا حيا على واحدة من اكثر المراحل قسوة في تاريخه، مرحلة وجد فيها نفسه عالقا بين مطرقة الحاجة وسندان الوعود، وبين واقع يزداد قسوة كل يوم وخطابات لا تزداد الا تكرارا... 

ولعل اخطر ما يمكن ان يحدث بعد كل هذا الخراب، ان يعتاد الناس عليه، وان يتحول الجوع الى تفصيل يومي، وان يصبح الذل المالي قدرا يورث من شهر الى شهر ومن عام الى عام...  لذلك لم يعد مقبولا ان يبقى الجميع اسرى الانتظار، ينتظرون معجزة من السماء او حلا يهبط من خلف الابواب المغلقة...  لم يعد مقبولا ان يبقى الموظفون والشعب وقودا لحروب الاخرين وحساباتهم ومصالحهم ومساوماتهم... لقد آن الاوان لان يرتفع الصوت عاليا في وجه الجميع، في وجه كل من اوصل الناس الى هذا الدرك من العجز والانهاك، في وجه الحكومات التي ادمنت ادارة الازمة بدل حلها، وفي وجه اولي الامر فينا الذين طالما طالبوا الناس بالصمود بينما تركوهم فرائس للجوع والديون، وفي وجه امراء المرحلة وملوك الجماعات والاقطاعيات الذين انشغلوا بتقاسم النفوذ فيما كان المواطن يتقاسم لقمة الخبز مع الخوف...  واذا كان الاحتلال هو اصل البلاء ومنبع الحصار والتجويع والخنق الاقتصادي، فلتكن الصرخة ايضا في وجه الاحتلال، ولتكن المواجهة معه قبل غيره، لا بالشعارات وحدها بل بالفعل والرفض والغضب المشروع. فالجوع لا يعرف الانتماءات الضيقة، والفقر لا يفرق بين فصيل واخر، والكرامة المهدورة لا تسأل صاحبها عن موقعه او لونه او شعاره. المطلوب اليوم ليس مزيدا من الصمت ولا مزيدا من التبرير، بل انتفاضة وعي قبل كل شيء، انتفاضة كرامة في وجه كل من شارك بالفعل او بالصمت او بالعجز في صناعة هذا الواقع البائس... فالشعوب التي تسكت طويلا على الجوع تصبح شريكة في استمراره، والشعوب التي تخاف من رفع صوتها تفقد حقها في الشكوى من صدى القيود... وما بين جوع يفرضه الاحتلال وعجز تصنعه السياسات وصمت يكرسه الخوف، لا يبقى امام الناس سوى ان يستعيدوا صوتهم وحقهم وغضبهم، وان يعلنوا بوضوح ان الكرامة ليست بندا قابلا للتأجيل، وان الانسان الذي يطالبونه كل يوم بالصمود لم يخلق ليعيش متسولا على ابواب البنوك وشركات التمويل، بل مواطنا حرا كريما في وطن يستحق الحياة... وعندما يصل الناس الى الحافة الاخيرة من الاحتمال، تصبح الثورة على كل اسباب القهر ليست خيارا سياسيا ولا موقفا حزبيا، بل فعلا من افعال البقاء، وصرخة وجود في وجه كل من ظن ان هذا الشعب قد اعتاد الانكسار .