الكاتب : حمزة ابو عياش
في فلسطين، لا تنحصر الحرب في الميادين العسكرية، ولا تتوقف على اقتحام المدن أو حصار القرى. فهناك معركة أعمق، أكثر صمتاً، لكنها لا تقل شراسة: معركة الرواية. على هذه الجبهة، تُستهدف الثقافة، ليس كمجال للإبداع، بل كجبهة مقاومة، كأرشيف للذاكرة، وكميدان للهوية.
من تزييف التاريخ وسرقة الأسماء، إلى مصادرة التراث المادي واللامادي، يسعى المشروع الاستعماري الإسرائيلي إلى احتلال الوعي كما يحتل الأرض. ما يجري في غزة المحاصرة، وفي مخيمات الضفة الغربية، ليس فقط تطهيراً مادياً، بل محاولة ممنهجة لاقتلاع الحكاية، تشويه اللغة، وإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بما يخدم رواية المستعمِر.
الرواية مقابل الرواية :
منذ نكبة 1948، ارتكز المشروع الصهيوني على ثلاثية: الطمس، والسرقة، والإحلال. لم تكن سرقة الأرض وحدها كافية؛ كان لا بد من مصادرة التاريخ، وتفكيك الرموز، وطمس الذاكرة الجماعية. من تهويد أسماء القرى المهجّرة، إلى عرض الأثواب الفلسطينية في المتاحف الإسرائيلية بوصفها جزءاً من "التراث اليهودي"، تُعاد صياغة الثقافة وفق هندسة استعمارية محكمة.
هذه الحرب الرمزية تظهر جليًا في طريقة تعامل إسرائيل مع التراث الفلسطيني؛ فهي لا تنكره فقط، بل تعيد تدويره. الكوفية تصبح منتجاً تجارياً "عالمياً"، الدبكة تُقدَّم في عروض فلكلورية إسرائيلية، والمأكولات تُسرَق من أطباق الناس إلى قوائم الطعام في مطاعم تل أبيب. أما الأغنية، فإما تُمنع، أو تُشيطَن، أو تُستنسَخ وتُفرَّغ من مضمونها.
الفن كشاهد ومقاتل :
الفن الفلسطيني لم يكن يوماً "ترفاً"، بل دوماً كان ساحة اشتباك. في جدران غزة المهدّمة تُكتب فصول الوجع والمقاومة، وفي لوحات أطفال المخيمات تُعلّق الهويات المسروقة على جدران الخيام. وفي الأغاني الشعبية الموروثة تُستعاد الحقول المصادرة، وتُروى أسماء الشهداء والمنفيين والمنسيين.
تجربة مثل مسرح الحرية في جنين، التي أسسها جوليانو مير خميس، هي مثال حي على دور الفن في تشكيل الوعي المقاوم. المسرح لم يكن فقط مكاناً للعرض، بل كان مساحة لحماية الهوية، وتمكين الشباب، وتحويل الألم إلى خطاب حر.
وفي خضم القصف، يستمر الفنانون في غزة بإنتاج أعمال رقمية، وجداريات، وملصقات، تُوزَّع في الفضاء الرقمي كصدى للأنين الجماعي، وكرمز للبقاء رغم كل شيء.
الأغنية المقاومة: حين يُغنّى الغضب :
من أغنيات أبو عرب في مخيمات اللجوء إلى أغاني فرقة صابرين وريم بنا، مروراً بشعر محمود درويش الذي تحوّل إلى ترانيم أمل، كانت الأغنية الفلسطينية الملتزمة بمثابة مرآة الغضب، ومتنفّس الجماهير، ونداء لا يهدأ.
في زمن الانتفاضات، لم تكن الأغنية وسيلة ترفيه بل شعار ثوري. "من سجن عكا طلّعنا"، و"يا شعبي يا عزيز"، و"اشهد يا عالم علينا وع بيروت"، و"أناديكم" ليست مجرّد أناشيد، بل شيفرات جماعية لوعي مشترك. حتى داخل السجون، كانت الأغنية تبنى على ألحان بسيطة، لكنها كانت تعبر الجدران إلى الناس.
اليوم، وفي ظل المنصات الرقمية، ظهرت أغانٍ جديدة بلغات متعددة، تعبّر عن الغضب الجماهيري العالمي ضد ما يحدث في غزة، وتجعل من القضية الفلسطينية قضية إنسانية تتجاوز الجغرافيا.
الكاريكاتير السياسي: ريشة تقاتل :
لا يمكن الحديث عن المقاومة الثقافية دون الوقوف عند سلاح الكاريكاتير السياسي، الذي مثّل في فلسطين والعالم العربي أداة هامة لتفكيك الهيمنة وسخرية لاذعة من الاستعمار. ناجي العلي، بشخصيته الخالدة "حنظلة"، لم يكن فقط رسّاماً، بل فدائيّاً ثقافياً.
حنظلة، الطفل الذي أدار ظهره للعالم، هو المراقب الأبدي، رمز الانحياز للفقراء والمنفيين، وراصد خيبات الأنظمة العربية. اغتيال ناجي العلي عام 1987 كان إعلاناً صريحاً بخطورة الرسم حين يصبح أداة وعي.
اليوم، يستمر الكاريكاتير كأداة مقاومة، حيث تنتشر رسومات الفنانين الفلسطينيين والعرب عبر الإنترنت، كوسيلة تعبير مباشر وساخرة، توثق المجازر، وتفضح ازدواجية الخطاب الغربي، وتحافظ على نبض الغضب.
الذاكرة كأرض مقاومة :
الاحتلال قد يهدم بيتاً أو يحاصر مدينة، لكنه لا يستطيع أن يصادر فكرة وُلدت من جرح، أو رواية كُتبت تحت القصف، أو أغنية سُجِّلت خلسة، أو كاريكاتير نُشر خلسة. وهذا ما يجعل من الثقافة الفلسطينية جبهة لا يمكن قصفها أو نزعها.
من المبادرات الفردية إلى الفعاليات الثقافية، من أرشفة الذاكرة الشفوية إلى عروض السينما البديلة، من تعليم التطريز في مدارس الخليل إلى معارض الفن الرقمي في الشتات، يستمر الفلسطينيون في تثبيت وجودهم الثقافي، لا كمجرد رد فعل، بل كمشروع تحرري بحد ذاته.
فالمعركة، وإن طال أمدها، لن تُحسم فقط في السياسة أو الميدان، بل في قدرة الفلسطيني على الاستمرار في قول "أنا هنا"، عبر ريشته، وصوته، وذاكرته.



