الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، تتجدد معاناة الموظفين العموميين والعمال وقطاعات واسعة من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، نتيجة تأخر الرواتب، وتقليص المستحقات، وغياب الاستقرار الوظيفي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الإسرائيلية عبر احتجاز أموال المقاصة واستخدامها أداة ابتزاز سياسي واقتصادي بحق الشعب الفلسطيني وقيادته ومؤسساته.
هذه الأزمة لم تعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحولت إلى قضية وطنية واجتماعية وأخلاقية تمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الحكومة وموظفيها، وبين الحقوق الوطنية والحقوق الاجتماعية. ومن هنا، فإن قراءة هذا الواقع في ضوء أفكار كارل ماركس وفريدريك إنجلز تمنحنا فهماً أعمق لطبيعة الصراع الاجتماعي، ولمكانة الطبقة العاملة والموظفين في معادلة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.
لقد اعتبر ماركس أن العمل هو أساس القيمة، وأن العامل أو الموظف ليس مجرد أداة إنتاج، بل هو جوهر العملية الاقتصادية والاجتماعية، وأن أي سلطة أو نظام لا يصون كرامة العامل وحقوقه، إنما يهدد الاستقرار المجتمعي برمته. وفي كتاباته حول الدولة والاقتصاد، شدد ماركس على أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بضمان الحقوق الأساسية للناس، وفي مقدمتها الأجر العادل، والحماية الاجتماعية، وحرية التنظيم النقابي، وحق الاحتجاج والإضراب.
أما إنجلز فقد رأى أن الطبقات الكادحة لا يمكن أن تتحول إلى قوة فاعلة إلا عندما تمتلك أدوات الدفاع عن مصالحها، وفي مقدمتها النقابات والتنظيمات المهنية. ومن هذا المنطلق، فإن الإضرابات النقابية التي تشهدها الساحة الفلسطينية اليوم ليست حالة فوضى أو خروجاً عن النظام العام كما يحاول البعض تصويرها، بل هي تعبير طبيعي ومشروع عن حالة الاحتقان الاجتماعي، ورسالة سياسية واجتماعية تقول إن الموظف الفلسطيني لم يعد قادراً على تحمّل المزيد من الأعباء الاقتصادية والمعيشية.
إن الموظف الفلسطيني الذي يذهب يومياً إلى عمله رغم الحواجز والإغلاقات والاقتحامات والظروف الأمنية الصعبة، لا يطالب برفاهية أو امتيازات خاصة، بل يطالب بحقه الطبيعي في راتب كامل ومستقر، وفي حياة تحفظ كرامته وكرامة أسرته. ومن غير المقبول أن يتحول الموظف إلى الحلقة الأضعف التي تدفع وحدها ثمن الأزمات السياسية والمالية المتراكمة.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الجريمة الاقتصادية والسياسية التي تمارسها حكومة الاحتلال الإسرائيلي من خلال احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، وهي الأموال التي تمثل في الأصل ضرائب وجمارك تخص الشعب الفلسطيني، تقوم إسرائيل بجبايتها نيابة عنه وفق الاتفاقيات الموقعة، ثم تستخدمها لاحقاً أداة للضغط والعقاب الجماعي والابتزاز السياسي.
إن احتجاز أموال المقاصة ليس مجرد إجراء مالي، بل هو شكل من أشكال الحرب الاقتصادية المنظمة ضد الفلسطينيين، يهدف إلى إضعاف السلطة الوطنية، وضرب الاستقرار الداخلي، وإثارة التناقضات الاجتماعية، ودفع الناس نحو اليأس والانفجار. وهنا تتجلى مرة أخرى صحة التحليل الماركسي الذي ربط بين الاقتصاد والسياسة، واعتبر أن السيطرة على الموارد والأموال هي أحد أهم أدوات الهيمنة والإخضاع.
لكن في المقابل، فإن مسؤولية الاحتلال لا تعفي السلطة الفلسطينية والحكومة من مسؤولياتهما الوطنية والاجتماعية تجاه الموظفين والعمال. فالحكومة مطالبة بإدارة الأزمة بشفافية وعدالة، ومصارحة الناس بحقيقة الوضع المالي، والبحث عن بدائل اقتصادية تقلل من الارتهان للمقاصة والضغوط الخارجية، إلى جانب حماية الفئات الفقيرة والمتوسطة من الانهيار الكامل.
كما أن السلطة مطالبة بإعادة الاعتبار للحوار مع النقابات والاتحادات المهنية، وعدم التعامل مع الإضرابات بمنطق أمني أو إداري ضيق، لأن النقابات ليست خصماً سياسياً، بل شريك وطني واجتماعي يفترض الاستماع إليه واحترام دوره. فالحركات الوطنية الكبرى، بما فيها حركات التحرر، لا يمكن أن تنجح إذا خسرت قاعدتها الاجتماعية أو دخلت في مواجهة مع موظفيها وعمالها ومعلميها وأطبائها.
لقد أدركت حركات التحرر في العالم أن العدالة الاجتماعية جزء لا يتجزأ من معركة الحرية الوطنية. فلا يمكن الحديث عن الصمود الوطني فيما الموظف عاجز عن توفير قوت أطفاله، ولا يمكن بناء مجتمع مقاوم في ظل اتساع الفقر والبطالة وانعدام الأمان الوظيفي. ولذلك فإن حماية الموظف الفلسطيني ليست قضية مطلبية فقط، بل قضية تتعلق بالأمن الوطني والاجتماعي الفلسطيني.
وفي التجربة الفلسطينية، لعب الموظفون والمعلمون والأطباء والعمال دوراً أساسياً في تثبيت الهوية الوطنية، وفي حماية المجتمع خلال الانتفاضات والحروب والحصار، وكانوا دائماً في مقدمة الصفوف، يتحملون الأعباء رغم ضعف الإمكانيات. ومن الظلم أن تتم مكافأتهم بسياسات التقشف وغياب الحلول الجدية.
إن المطلوب اليوم ليس فقط معالجة أزمة الرواتب بشكل مؤقت، بل إعادة بناء رؤية اقتصادية وطنية أكثر استقلالاً وعدالة، تقوم على دعم الإنتاج المحلي، وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وتعزيز صمود الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وفتح حوار وطني شامل حول مستقبل الاقتصاد الفلسطيني في ظل الاحتلال.
كما أن المطلوب من القوى والفصائل والنقابات كافة، أن تتعامل مع قضية الموظفين باعتبارها قضية جامعة، بعيداً عن المزايدات أو الحسابات الفئوية، لأن انهيار الوضع الاجتماعي ستكون له انعكاسات خطيرة على المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله.
لقد قال ماركس إن “العمل ليس سلعة”، وهذه العبارة تختصر الكثير من المعاني في الحالة الفلسطينية اليوم. فالموظف الفلسطيني ليس رقماً في موازنة، ولا بنداً قابلاً للتقليص والتأجيل، بل هو إنسان يحمل أعباء الوطن وهموم العائلة وأحلام البقاء فوق هذه الأرض.
ومن هنا، فإن الرسالة الأوضح التي يمكن توجيهها اليوم إلى الطبقة العاملة الفلسطينية، وإلى الموظفين والمعلمين والعمال والكادحين، هي أن الحقوق لا تُمنح مجاناً، بل تُنتزع بالنضال المنظم والصوت الجماعي والضغط الشعبي والنقابي المستمر. فالتاريخ، كما رآه كارل ماركس، لم يكن سوى تاريخ صراع بين من يملكون القوة والثروة وبين أولئك الذين يُنتجون الحياة بأيديهم لكنهم يُحرمون من ثمار تعبهم.
لقد كتب ماركس وإنجلز في “البيان الشيوعي” عبارتهما الشهيرة: “ليس لدى العمال ما يخسرونه سوى أغلالهم، ولديهم عالم يكسبونه”، وهي عبارة لا تزال تحمل معناها العميق في الحالة الفلسطينية، حيث يواجه العامل والموظف الفلسطيني ليس فقط الاستغلال الاقتصادي، بل أيضاً الاحتلال والحصار والابتزاز السياسي والتهميش الاجتماعي.
إن استمرار الاحتجاجات النقابية والإضرابات الشعبية السلمية يشكل حقاً مشروعاً وأداة ضغط ضرورية من أجل حماية الكرامة الإنسانية والحقوق الاجتماعية. فالصمت على الظلم لا يصنع استقراراً، بل يراكم الغضب والانفجار، بينما يفتح النضال النقابي المنظم الباب أمام تصحيح السياسات وإجبار أصحاب القرار على الإصغاء لصوت الناس.
ولا يعني ذلك الانفصال عن الهم الوطني أو الإضرار بالمصلحة العامة، بل على العكس تماماً؛ إذ إن الدفاع عن الموظف والعامل هو دفاع عن صمود المجتمع الفلسطيني كله. فالوطن الذي يُرهق معلميه وأطباؤه وعماله وموظفيه، يفقد تدريجياً عناصر قوته الداخلية وقدرته على المواجهة.
إن الطبقة العاملة الفلسطينية مدعوة اليوم إلى التمسك بوحدتها النقابية والمطلبية، وإلى رفض محاولات تفتيتها أو تخويفها أو شيطنة احتجاجاتها، لأن قوة العمال الحقيقية تكمن في تضامنهم وتنظيمهم الجماعي. وكما رأى ماركس، فإن الوعي بالحقوق هو الخطوة الأولى في طريق التحرر، وإن النقابات ليست مجرد أدوات لتحسين الرواتب، بل مدارس للنضال الاجتماعي والوطني.
وفي ظل ما يتعرض له الفلسطينيون من حرب اقتصادية وتجويع ممنهج واحتجاز لأموالهم وحقوقهم، تصبح المطالبة بالعدالة الاجتماعية شكلاً من أشكال المقاومة الوطنية، ويغدو الدفاع عن لقمة العيش دفاعاً عن الكرامة الفلسطينية نفسها.
وايضا وفي لحظة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لأخطر مراحل الاستهداف السياسي والاقتصادي، يصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً أن تتكاتف كل الجهود لحماية الإنسان الفلسطيني أولاً، لأنه أساس الصمود، وحجر الزاوية في معركة الحرية والاستقلال والكرامة.



