الكاتب : د بسام سعيد
قد يبدو مستغرباً للكثيرين أن يرتاد الناس المقاهي في زمن الحرب، لكن الذهاب إلى المقهى في غزة لم يعد سلوكاً ترفيهياً عادياً كما كان في السابق، بل تحوّل تدريجياً إلى آلية معقدة للبقاء والتكيف مع واقع يومي مضطرب داخل هذه المساحات الضيقة والمزدحمة، في المقاهى يمكن ملاحظة كيف يعيد الناس تشكيل حياتهم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وسط الحرب، وكيف يتحول المقهى من مكان عابر لشرب القهوة إلى مؤسسة اجتماعية متعددة الوظائف، تجمع بين الأبعاد التقنية والاقتصادية والنفسية في آن واحد . وفي هذا المقال احاول ان ارصد بعض سلوك مرتادي المقاهي بصورة إثنوغرافية من خلال مشاهدتي المباشرة لما يدور .
فعلى طاولة قرب المدخل، يجلس ثلاثة شبان حول رزمة نقود من فئة المئتي شيكل. يمرر أحدهم الأوراق بين أصابعه بسرعة ،لا توجد لافتة تعلن طبيعة ما يجري، لكن الطاولة تعمل كأنها بورصة صغيرة داخل المقهى؛ فالكاش أصبح عملة نادرة، وامتلاك "ربطة زرقاء" يمنح صاحبها نفوذاً مؤقتاً داخل الاقتصاد اليومي الذي تشكّل تحت ضغط الحرب والحصار والانقطاع المستمر للخدمات.
حول هذه الطاولة لا تدور فقط عمليات بيع وشراء العملات، بل تتشكل أيضاً أنماط جديدة من العلاقات الاجتماعية فى ظل مايسمى سسيولوجيا مجتمع مؤقت ، غرباء يلتقون للمرة الأولى، ونازحون يبحثون عن معلومات، وأشخاص يتبادلون النصائح حول كيفية الحصول على الدقيق أو الروابط المالية والإغاثية، في ظل توفر الإنترنت وبعض مصادر الكهرباء عبر الطاقة الشمسية. وهكذا يتحول المقهى إلى مساحة لإعادة تشكيل الروابط الاجتماعية التي تفككت بفعل الحرب، وإلى مركز لتبادل المعرفة اليومية الضرورية للبقاء.
وفي أحيان كثيرة، يصبح المقهى مساحة لتخفيف وتفريغ العبء النفسي الجماعي ، فعندما يبدأ الحاضرون بالحديث عن خساراتهم، أو عن منازلهم المهدمة، أو عن أقاربهم الغائبين، أو من فقدوا من احبة واقارب وجيران يتحول الألم الفردي إلى تجربة جماعية مشتركة، فيخفّ وطؤه لأن المعاناة لم تعد معزولة داخل كل فرد على حدة.
وفي زاوية أخرى من المكان، يتصاعد دخان الأرجيلة من طاولة يجلس حولها أربعة رجال يتناوبون على النَفَس. رغم تضاعف سعر المعسل مرات عديدة، لا تبدو الأرجيلة هنا ترفاً خالصاً بقدر ما تبدو استراحة مؤقتة من واقع ثقيل ومتواصل. وفي أثناء ذلك، يتحرك بائع شاب بين الطاولات حاملاً علبة سجائر، يبيع بالحبة "بالفرط " يقف للحظة، يساوم، يبيع، ثم يختفي بين الجالسين. تكشف هذه الحركة اليومية الصغيرة كيف يتحول المقهى إلى سوق مصغّرة للاقتصاد غير الرسمي، في ظل الانهيار الاقتصادي.
ومع غياب التيار الكهربائي وضعف الوصول إلى وسائل الاتصال، لم يعد المقهى يبيع القهوة بقدر ما يبيع الاتصال بالعالم. فقد تحولت المقاهي إلى محطات لشحن الهواتف والبطاريات الصغيرة، وإلى أماكن يتجمع فيها الناس؛ أكاديميون وطلاب وتجار ، ومتسولون ، لمتابعة الأخبار أو لمحاولة التواصل مع أقارب خارج القطاع. وفي كثير من اللحظات، يبدو الإنترنت داخل المقهى أكثر قيمة من أي خدمة أخرى، لأنه يمنح الأفراد شعوراً مؤقتاً بأنهم ما زالوا متصلين بالعالم الخارجي. فالجلوس في المقهى أصبح وسيلة للحفاظ على المظهر الاجتماعي ؛ فالجلوس على كرسي وطلب مشروب هو استحضار لصورة الإنسان المدني الطبيعي في مواجهة صورة الضحية أو النازح.
ورويدا يبدأ المكان بأداء وظيفة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ يتحول المقهى تدريجياً إلى غرفة أخبار شعبية، تُتداول فيها الروايات وتُحلل التطورات السياسية. يناقش الجالسون الأخبار القادمة من الأحياء الأخرى، يصححون الشائعات أو يعيدون إنتاجها اعتماداً على شهادات العيان للواصلين الجدد من النازحين، رجالاً ونساءً. وفي ظل ضعف المصادر الرسمية أو انقطاعها، يصبح التواتر الشفهي داخل المقهى وسيلة أساسية لإنتاج المعرفة اليومية وفهم ما يحدث خارج الجدران ، كذلك يمثل الجلوس في المقهى محاولة لاستعادة جزء من الحياة الطبيعية المفقودة. إنها وسيلة لكسر العزلة والخوف داخل المنازل أو خيام النزوح، حيث يجد الناس في الحديث الجماعي متنفساً لتفريغ الضغوط النفسية ومشاركة الهموم اليومية. ويمكن ملاحظة أن
كثيرا من رواد المكان من الشباب؛ ملابس مغبرة، لحى غير مشذبة، وعيون متعبة، لكن الحركة لا تتوقف. هناك بيع وشراء، نقاشات سياسية، ضحك مفاجئ، وأصوات متداخلة تحاول مقاومة الصمت الثقيل للحرب. يوحي المظهر العام بالإنهاك، لكن إيقاع المكان يكشف شيئاً مختلفاً: محاولة مستمرة لإعادة إنتاج الحياة رغم الخوف والهشاشة وعدم اليقين.
لقد اكتسب الروتين اليومي البسيط معنى مختلفاً. فحين يقرر أحدهم الذهاب إلى المقهى في ساعة محددة، فإنه لا يبحث فقط عن القهوة أو الإنترنت أو الجلسة الاجتماعية، بل يحاول أيضاً استعادة جزء من السيطرة على زمنه الشخصي بعد أن حطمت الحرب الإيقاع الطبيعي للحياة؛ فلا مدارس، ولا جامعات، ولا عمل رسمي. وهكذا أصبح الجلوس على كرسي وطلب مشروب فعلاً رمزياً لاستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية.
ومن هنا يمكن فهم المقهى بوصفه مساحة للمقاومة اليومية الهادئة، يتمسك الناس فيها بأبسط تفاصيل الحياة العادية كي لا ينهار الإحساس بالذات والاستمرارية.
داخل هذا الفضاء المزدحم والمتعب، لا يبدو المقهى مجرد مكان للترفيه أو الاستهلاك، بل مؤسسة اجتماعية كاملة الوظائف: مكتباً مؤقتاً، وبريداً، وغرفة أخبار، ومركز دعم نفسي، وسوقاً صغيرة، ومساحة لإعادة ترميم العلاقات الإنسانية التي مزقتها الحرب.
ورغم أن المقهى قد لا يكون آمناً تماماً، فإن الوجود وسط مجموعة من الناس يمنح شعوراً جماعياً بالأمان، حتى وإن كان مؤقتاً أو هشاً، كما يخفف من وطأة أصوات الانفجارات عبر الانشغال بالأحاديث الجانبية. من خلال هذه التفاصيل اليومية المتناثرة، يمكن قراءة الكيفية التي يحاول بها المجتمع حماية نفسه من الانهيار النفسي الكامل، عبر إعادة اختراع الحياة داخل أبسط الأمكنة وأكثرها إعتيادية.
*أكاديمي وكاتب



