الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
لم يعد ممكناً التعامل مع المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح بوصفه مجرد محطة تنظيمية عادية، أو استحقاقاً داخلياً يخص أبناء الحركة وحدهم، بل بات حدثاً سياسياً ووطنياً يعكس حالة الشعب الفلسطيني بأكمله، في ظل حرب مفتوحة على الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، وتصاعد غير مسبوق للاستيطان والضم في الضفة الغربية، واستهداف الهوية الوطنية في القدس، ومحاولات تصفية وكالة الغوث وشطب قضية اللاجئين.
وفي قلب هذا المشهد، تتعالى أصوات فتحاوية ناقدة، بعضها غاضب وبعضها قلق وبعضها يطالب بالمراجعة العميقة، لا بهدف الهدم أو التشكيك، بل انطلاقاً من شعور تاريخي بأن فتح، بوصفها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، لا تملك ترف الخطأ ولا رفاهية الجمود.
إن جوهر النقاش الحقيقي اليوم لا يتعلق بالأسماء أو المواقع التنظيمية فقط، وإنما بالسؤال الأعمق: هل استطاعت الحركة أن تنتج قراءة سياسية وتنظيمية تتناسب مع التحولات الهائلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني؟ وهل ما زالت البنية التنظيمية التقليدية قادرة على مواجهة واقع استعماري جديد أكثر شراسة وتعقيداً؟
هنا تبرز أهمية ما وصفه المفكر الثوري فلاديمير لينين بـ”التحليل الملموس للواقع الملموس”، أي الابتعاد عن الشعارات العامة والذهاب مباشرة إلى فهم الوقائع كما هي، لا كما نرغب أن تكون. فالحركات التاريخية لا تسقط فقط بسبب أعدائها، بل أحياناً بسبب عجزها عن قراءة ذاتها وتحولات مجتمعها وأدوات خصومها.
لقد دخلت فتح مرحلة سياسية مختلفة كلياً عن تلك التي تأسست فيها، وحتى عن تلك التي قادت خلالها الانتفاضتين. فالمواجهة اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي معركة رواية ووعي واقتصاد وديمغرافيا وسيطرة جغرافية وتفكيك اجتماعي. إسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة الاحتلال، بل تسعى إلى إعادة هندسة الوجود الفلسطيني بالكامل، خصوصاً في القدس والضفة الغربية.
ومن هنا، فإن الانتقادات الفتحاوية الواسعة للمؤتمر الثامن لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة ضعف، بل يمكن قراءتها كمؤشر على حيوية داخلية ما زالت موجودة داخل الحركة. فالحركات الميتة لا تنتقد نفسها، أما الحركات الحية فهي التي تمتلك القدرة على المراجعة والنقد والتجديد.
لكن النقد وحده لا يكفي. المطلوب هو الانتقال من حالة التذمر التنظيمي إلى إنتاج رؤية سياسية جديدة تعيد تعريف دور الحركة في هذه المرحلة. ففتح ليست حزب سلطة فقط، وليست جهازاً إدارياً، بل حركة تحرر وطني ورافعة معنوية للشعب الفلسطيني. وأي ابتعاد عن هذا الدور التاريخي يفتح الباب أمام مزيد من التآكل الشعبي والتنظيمي.
إن المؤتمر الثامن مطالب اليوم بإعادة الاعتبار لعدة عناوين مركزية:
أولاً، إعادة بناء العلاقة بين القيادة والقاعدة التنظيمية على أساس الشراكة والثقة والكفاءة، بعيداً عن الاصطفافات الشخصية ومراكز النفوذ الضيقة.
ثانياً، استعادة البعد الكفاحي والسياسي للحركة، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، دون الارتهان الكامل لمعادلات دولية أثبتت محدوديتها وعجزها.
ثالثاً، وضع القدس في قلب البرنامج التنظيمي والسياسي، باعتبارها عنوان الصراع المركزي، لا ملفاً ثانوياً. فالاحتلال يخوض في القدس معركة سيادة وهوية ووجود، فيما المطلوب فلسطينياً بناء حالة اشتباك سياسي وشعبي يومي لحماية المدينة ومؤسساتها وتعليمها وأوقافها.
رابعاً، معالجة الأزمة الجيلية داخل الحركة، وفتح المجال الحقيقي أمام الكفاءات الشابة، لا عبر الخطاب فقط، بل عبر شراكة فعلية في القرار والميدان والبنية التنظيمية.
خامساً، إعادة تعريف العلاقة بين السلطة الوطنية والمشروع الوطني، بحيث لا تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، بل تبقى أداة من أدوات الصمود الوطني وخدمة الناس وتعزيز بقائهم على أرضهم.
إن أخطر ما قد يواجه المؤتمر الثامن هو الاكتفاء بإنتاج تسويات داخلية مؤقتة، أو توزيع التوازنات التنظيمية دون ملامسة جوهر الأزمة. ففتح أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن تعيد إنتاج نفسها كحركة تحرر وطنية قادرة على قيادة الشعب الفلسطيني في واحدة من أخطر مراحل قضيته، أو أن تتراجع تدريجياً تحت ضغط الأزمات والتحديات.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن فتح حين تكون قوية وموحدة ومتصلة بجمهورها، يكون المشروع الوطني أكثر قدرة على الصمود. وحين تتراجع الحركة أو تنشغل بصراعاتها الداخلية، تتسع مساحة الفراغ الوطني والفوضى السياسية.
لهذا، فإن المطلوب من المؤتمر الثامن ليس فقط انتخاب قيادة جديدة، بل إنتاج روح سياسية جديدة، تستند إلى النقد المسؤول، والشجاعة التنظيمية، والقدرة على فهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.
وفي خضم النقاشات الواسعة التي رافقت المؤتمر الثامن، برز سؤال سياسي وتنظيمي بالغ الحساسية داخل الأوساط الفتحاوية: هل تتجه الحركة تدريجياً نحو تبني مقاربة تقوم على “السلام الاقتصادي” بوصفه بديلاً عن المشروع الوطني التحرري؟ وهل يجري إعادة تشكيل البنية القيادية والتنظيمية بما يتناسب مع هذا التحول السياسي المحتمل؟
هذا السؤال لا يأتي من فراغ، بل من واقع سياسي تشهده الأراضي الفلسطينية، حيث تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لدفع الحالة الفلسطينية نحو نمط من الإدارة المدنية والمعيشية، يقوم على تحسين الظروف الاقتصادية والخدماتية مقابل تراجع سقف الاشتباك السياسي مع الاحتلال. وهو ما يثير مخاوف قطاعات واسعة داخل حركة فتح من أن يتحول المشروع الوطني تدريجياً من مشروع تحرر إلى مشروع إدارة أزمة تحت الاحتلال.
ويعتقد كثير من الكوادر الفتحاوية أن إسرائيل، بدعم أطراف دولية، تسعى منذ سنوات إلى تكريس مفهوم “الاستقرار الاقتصادي” بديلاً عن الحل السياسي الحقيقي، عبر توسيع التسهيلات المشروطة، وربط الاقتصاد الفلسطيني بالبنية الإسرائيلية بصورة أعمق، مع استمرار الاستيطان والسيطرة الأمنية والجغرافية. وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، تصبح المخاوف مشروعة من أن يتحول الاقتصاد إلى أداة احتواء سياسي، لا إلى وسيلة صمود وطني.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في طبيعة المرحلة السياسية، بل في شكل البنية التنظيمية التي يجري إنتاجها داخل الحركة. فثمة حالة استياء واضحة داخل الأطر الفتحاوية من تراجع حضور عدد من القيادات التنظيمية الوازنة، سواء ممن يمتلكون تاريخاً نضالياً أو حضوراً شعبياً أو تأثيراً ميدانياً داخل الأقاليم والمناطق التنظيمية.
ويرى منتقدون أن إقصاء أو تهميش بعض القيادات لا يرتبط دائماً بمعايير الأداء والكفاءة، بل أحياناً بالرغبة في إنتاج حالة تنظيمية أكثر هدوءاً وأقل ميلاً للاعتراض والنقد الداخلي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الحركات الوطنية الكبرى لا تُبنى على الطاعة الصامتة، بل على التعدد الحيوي والقدرة على إدارة الاختلاف داخل البيت التنظيمي الواحد.
كما أن تغييب القيادات ذات الامتداد الشعبي قد يؤدي إلى إضعاف العلاقة بين الحركة وقواعدها، خصوصاً في ظل حالة الغضب الشعبي الناتجة عن الحرب والحصار والاستيطان والانقسام السياسي. فالقواعد التنظيمية لا تبحث فقط عن وجوه جديدة، بل عن قيادات تمتلك صدقية نضالية وقدرة على التعبير عن هموم الناس اليومية والوطنية.
وفي هذا السياق، يخشى كثير من أبناء الحركة من أن يؤدي تقليص دور الشخصيات التنظيمية الثقيلة إلى انتقال فتح من حالة “الحركة الجماهيرية” إلى نموذج إداري بيروقراطي يفتقر إلى الحيوية الثورية والتفاعل الشعبي. وهذا التحول، إن حدث، سيؤثر بالضرورة على قدرة الحركة في استنهاض الشارع الفلسطيني، خصوصاً بين الأجيال الشابة التي تبحث عن خطاب أكثر وضوحاً واشتباكاً مع الواقع.
إن التحدي الحقيقي أمام المؤتمر الثامن لا يكمن في تحقيق الانضباط التنظيمي فقط، بل في الحفاظ على التوازن بين وحدة الحركة وحقها الطبيعي في النقد الداخلي والتنوع السياسي والتنظيمي. ففتح التي قادت المشروع الوطني لعقود لم تكن يوماً حركة الصوت الواحد، بل إطاراً واسعاً احتوى تيارات ومدارس وتجارب متعددة، وكان هذا التنوع أحد مصادر قوتها التاريخية.
ومن هنا، فإن أي محاولة لبناء مرحلة جديدة داخل الحركة يجب ألا تقوم على إقصاء أصحاب الحضور والتاريخ، بل على إعادة دمج الطاقات والكفاءات في مشروع وطني جامع، لأن المعركة المقبلة لن تكون معركة مواقع تنظيمية، بل معركة بقاء وهوية ووجود فلسطيني في مواجهة مشروع استعماري يسعى إلى تفكيك كل عناصر القوة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح نفسها باعتبارها عنواناً مركزياً للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
ومن هنا فإن التحليل الملموس للواقع الملموس ليس مجرد عبارة نظرية، بل شرط أساس لبقاء الحركات التاريخية واستمرار قدرتها على الفعل والتأثير والتجدد.



