الكاتب : د. مجدي جميل شقورة
في مسيرة بناء المجتمعات الحديثة وتوطيد ركائز الحكم الرشيد، يبرز مبدأ حياد الوظيفة العامة كأحد الضوابط الأساسية لضمان نزاهة المؤسسات وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين. تقوم الفكرة الجوهرية لهذه المقاربة على الفصل الحازم بين الولاء الحزبي والالتزام الوظيفي، حيث ينتظر من الموظف العام، لا سيما في المواقع السيادية والتنفيذية العليا، أن يمثل الدولة بكافة مكوناتها وأطيافها دون تمييز أو انحياز. وعندما يتداخل الانتماء السياسي مع الدور الرسمي، تظهر إشكاليات تتعلق بتضارب المصالح وازدواجية المعايير، إذ قد ينظر إلى المنصب العام كأداة توفر حصانة مضاعفة تحمي صاحبها من المساءلة والرقابة، مما يثير تساؤلات موضوعية حول كيفية الجمع بين إدارة الشأن العام والترشح للمناصب الحزبية التنافسية.
وعند إسقاط هذه المبادئ المعيارية على الواقع السياسي الفلسطيني، وتحديدا في سياق انتخابات حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح الأخيرة، نجد أنفسنا أمام مشهد يستدعي قراءة نقدية واستشرافية عميقة. وبداية، لا بد من مباركة هذا العرس الديمقراطي لحركة فتح، والذي يعكس حيوية تنظيمية وقدرة على تجديد الدماء داخل أحد أعمدة الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو جهد مقدر في سياق ترتيب البيت الداخلي وتعزيز الخيارات الديمقراطية. إلا أن هذا الحدث يجدد في الوقت ذاته النقاش حول الخصوصية البنيوية للحالة الفلسطينية التي تداخلت فيها مؤسسات السلطة الوطنية مع الأطر التنظيمية للحزب الحاكم منذ تأسيسها، مما جعل الفصل بين كادر الحركة وموظف الدولة يشكل تحديا حقيقيا أمام التنمية السياسية والمأسسة المستقلة.
إن ترشح شخصيات تشغل مواقع رسمية رفيعة في انتخابات حزبية يضع البيئة القانونية والسياسية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى القدرة على حظر استخدام النفوذ أو الموارد العامة لصالح التنافس الداخلي. وفي ظل غياب الأطر التشريعية الصارمة التي تلزم المسؤولين بتجميد مهامهم الرسمية أثناء الحملات الحزبية، تزداد المخاوف من تكريس مبدأ الحصانة المركبة التي تضعف من أدوات الرقابة والقضاء. ومن الناحية الاستشرافية، فإن مستقبل العمل السياسي الفلسطيني يتطلب موازنة دقيقة بين متطلبات مرحلة التحرر الوطني التي تقودها الفصائل، وبين استحقاقات بناء دولة المؤسسات التي تقوم على سيادة القانون وفصل السلطات، وهو ما يستدعي مستقبلا تبني تشريعات واضحة تمنع تضارب المصالح لضمان عدالة التنافس وثقة الشارع في حيادية مؤسساته الرسمية .



