الكاتب : د .بسام سعيد
بعد ما يقارب من عشرين عامًا، تعود رحى الانتخابات البلدية إلى مدينة دير البلح كولادةٍ متعسّرة. لتكون نموذج تجريبى فى غزة ، تلك المدينة المنهكة التي تعجّ بالآف النازحين، وتئنّ تحت وطأة انهيار مرافقها وبنيتها التحتية. مشهدٌ معقّد، تختلط فيه الآمال بالقلق، وتفرض فيه التحديات نفسها بقوة على كل من سيتقدّم لتحمّل مسؤولية المرحلة المقبلة.
وبعيدا عن التفاصيل أردت ان أشير إلى ما يلفت الانتباه في القوائم المطروحة هو حدّة التنافس العائلي، داخل العائلة الواحدة؛ حيث يكاد لا تخلو قائمه من اسمٍ ينتمي إلى نفس الامتداد الاجتماعي. هذا التداخل يعكس طبيعة المجتمع، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول معيار الاختيار: هل هو الكفاءة أم القرب الاجتماعي؟
كما يبدو واضحًا أن بعض القوائم تضمّ وجوهًا جديدة، يمكن وصفها بـ"الهواة" في العمل التنموي، يقابلهم آخرون يحملون طابعًا تكنوقراطيًا وخبراتٍ مهنية قد تكون أكثر التصاقًا بمتطلبات الإدارة المحلية. وبين هذا وذاك، يغيب الحضور الحزبي العلني، رغم ما يُتداول عن دعمٍ غير مباشر ، وكأن الجميع بات يتنكر للعمل الحزبى ، انسجامًا مع مزاجٍ عام بات ينظر إلى الحزبية بتحفّظ في هذه المرحلة ، لما لمسه المواطن من اخفاق حزبى في التخفيف عنه طوال الحرب والذى نهشه الجوع والفقر والاستغلال والمرض .
الناس هنا لا تبحث عن الشعارات بقدر ما تبحث عن حلول ملموسة: ماء، صحة ، غذاء ، وكهرباء ، وخدمات أساسية تعيد شيئًا من الحياة الطبيعية التي افتقدوها ؛ وهذا ما يجعل سقف التوقعات مرتفعًا، وربما قاسيًا، على من سيفوز بثقة الناخبين. فالمسألة لم تعد مجرد إدارة بلدية، بل إدارة أزمة مركّبة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والاجتماع بالإغاثة. واقعٍ يحتاج إلى وقتٍ طويل ليتعافى. المشهد اليوم، ضبابي قلق ، مع الخوف من خيبة الأمل ؛ ولكنه لايخلو من التحدى وانتظار التغيير، .
ومع ذلك، يبقى الأمل حاضرًا. بأن تنجح هذه الانتخابات في إفراز مجلس شرعي منتخب قادر على العمل بجدّية، وأن يكون رافعة أولى نحو إعادة بناء ما تهدّم، ليس فقط في الحجر، بل في الثقة بالإنسان . فدير البلح، ومدن غزة وقراها ومخيماتها تستحق أن تستعيد عافيتها، وتنتخب ، وأن ترى مستقبلًا أفضل يليق بأهلها. وأن تتهيأ الظروف لمرحلة إعمار شاملة، تعيد للناس ما فقدوه، وتمنحهم ما يستحقونه من حرية وسلام وتنمية وحياةٍ كريمة كباقي شعوب الأرض .



