الكاتب : عبد الهادي بركة
ما نشاهده من حالة التباين، والاستقطاب الحاد بين النخب السياسية في عالمنا العربي، والذي يعكس حدة الاتجاهات والرؤى تجاه مآلات الحرب القائمة منذ شهر في المنطقة. وربما لم تكن هذه الحالة بهذا الوضوح إبان حرب الإبادة على غزة؛ إذ لم تكن تلك النخب السياسية التي نراها الآن تتساءل عن دور جامعة الدول العربية، أو تصفها بـ "الميتة" تجاه ما يجري، بينما تبرز شخصيات أخرى لتستعرض مساهماتها ومساعداتها التي قُدمت إبان حالة عدم الاستقرار التي تعرضت لها مصر قبل ثلاثة عشر عاماً.
إن هذا "الإفلاس القولي" والسلوكي، يدلل على أن ما تقدمه بعض الدول لبعضها أثناء الأزمات لم يكن دائماً من باب الإنسانية أو دفع الشر، إنما قد يخفي نوايا بعيدة تُحسب في أذهان البعض بمآرب أخرى. ولو أسقطنا هذا القول على واقع القضية الفلسطينية وحجم التراجع الذي وصلت إليه، سنجد أن الدعم والمساعدات التي قدمتها بعض الكيانات لم تكن إلا لتمرير سياسات معينة؛ وإلا فكيف نحكم على العلاقة التي كانت قائمة بين مؤسسات فاعلة في غزة ودولٍ أُنيط بها لعب أدوار مشبوهة في المنطقة؟
هذا هو النتاج الطبيعي لسنوات من التغلغل الصهيوني في المنطقة العربية، بأدوات وتقنيات متنوعة شكلاً ومضموناً، وصولاً إلى أهدافه المرسومة لهذه المرحلة. وبناءً عليه، فإن حجم "إعادة التشكيل" المراد فرضها ليس أمراً هيناً، ويتضح ذلك من خطورة البرامج المطروحة بقواها المالية وشخصياتها، والانحدار الإعلامي الذي وصل إلى حد التبعية المغرضة؛ كل هذا يفرض علينا التوقف عند مدى القوة الخفية التي يستند إليها الكيان الصهيوني.
إن فهم هذا الكيان ومعرفته من خلال خلفيته الوحشية -على الأقل منذ اغتصابه لأرض فلسطين ومحاولاته المتكررة لاقتلاع شعبها- يوضح لنا أنه لا يشعل حرباً إلا وقد أعد لها جيداً، إعداداً يتخطى بمراحل ما يعتقده العرب عن طبيعة هذا المحتل. لهذا كانت منافذ الاختراق والدخول إلى عمق البنى السياسية بين الأقطار العربية مدخلاً مكنه من تكييف أدواته لنسج خيوط المؤامرة تلو الأخرى.
وهذا يقودنا إلى قراءة الأحداث الجارية؛ إذ لا يمكن تناول مخططاته الأخيرة إلا في هذا الإطار التوسعي، بدءاً من حرب الإبادة في غزة، وصولاً إلى ما يجري من استهداف لدول الخليج العربي، ومحاولات جر المنطقة برمتها إلى حرب كبرى.
وعليه، فإن الوعي الحقيقي بطبيعة هذا الكيان الغاصب، وخلفيته العنصرية، وأبعاد أهدافه المستقبلية، هو السبيل الوحيد الذي يمكننا من وضع حلول ومواجهة أفكاره القائمة على الهدم والقتل والدمار. فالأحرى أن تكون هناك يقظة وصحوة تفيق على برامجها النخب السياسية، لتوحد الكلمة، وتضبط الصف، وتلزم النظم السياسية بتبني الرؤى والأطروحات التي تؤدي إلى نجاة المنطقة من شرور يجري استدراجها إليها بهدف إيقاع الواقعة بين العرب والجوار الإيراني، بغض النظر عن سوآته المتعددة في التدخل في جغرافية المنطقة العربية ومحاولة تمدده الأيديولوجي فيها، وهذا كله يعتبر عدواناً على سيادة الدول وغير مبرر، وهذا من السهل التفهم عليه وربما يجري تداركه مبكرا عبر الحوار ولغة الجوار والروابط الدينية بيننا. أما مع الكيانين الصهيوني والأمريكي، فيجب أن يكون الأمر مختلفاً تماماً وصولاً لاستئصالهما من المكان؛ وإلا فهم يعدون جيداً لما يرونه، فمن غير المقبول عندهم أن يكون العالم العربي بهذا الشكل من العمران والترابط الديني والجغرافي، وبالتالي فإن كل محاولاتهم تتمحور حول آليات الهدم للنمو والعمران العربي، ومنعه من أية محاولة لنسج العلاقات مع دول العالم الكبرى.
فهل فهمنا هذا المحتل وما ينوي فعله؟
عند فهمنا لـ "فلسفة النوايا" لديه، نكون قد بدأنا فهم جزء من تفكيره "الوقائي".



