الكاتب : محمد زيات
ليس من الدقة النظر إلى ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه سلسلة متقطعة من الأزمات الأمنية أو جولات تصعيد منفصلة يمكن احتواؤها بتهدئة ميدانية مؤقتة أو بوساطة سياسية عابرة، فالمشهد الراهن يتجاوز ذلك بكثير، سيما أن المنطقة تقف اليوم عند نقطة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الجبهات، وتتراجع المسافات بين المحلي والإقليمي، وتغدو كل ساحة مشتعلة قابلة للتأثير في ساحات أخرى، لهذا لم يعد السؤال الحقيقي متعلقًا فقط بسبب اندلاع التوترات أو هوية الطرف الذي بادر بالتصعيد، بل بطبيعة التحول الأعمق الذي يدفع الإقليم كله إلى مرحلة جديدة، أقل استقرارًا وأكثر انكشافًا على احتمالات مفتوحة.
المشهد العام يوحي بأن الشرق الأوسط لم يعد يعيش ضمن الصيغة القديمة لإدارة الأزمات، ففي السابق كان يمكن تصور وجود نزاع في بقعة محددة من دون أن تتحول ارتداداته بالضرورة إلى عامل ضغط مباشر على الإقليم كله، أما اليوم فإن أي اشتعال في جبهة ما سرعان ما يترك أثره السياسي أو الأمني أو الاقتصادي على محيط أوسع. وهذا ما يجعل توصيف المنطقة بأنها “على صفيح ساخن” إنها ليست مجرد عبارة جاذبة، بل تعبيرًا دقيقًا عن واقع إقليمي تزداد فيه القابلية للاهتزاز مع كل تطور ميداني جديد.
ما وراء الضجيج العسكري ..
القراءة اليومية للأحداث غالبًا ما تنشغل بالضربات، والردود، والتحركات العسكرية، والتصريحات المتبادلة، لكنها كثيرًا ما تفوّت الطبقة الأعمق من المشهد، فالتصعيد القائم ليس مهمًا فقط بسبب شدته، بل بسبب ما يكشفه من تحولات في طبيعة الإقليم نفسه، لقد أصبح واضحًا أن المنطقة دخلت مرحلة تتغير فيها قواعد الاشتباك تدريجيًا، وتُختبر فيها حدود الردع التقليدي، كما يعاد فيها تعريف معنى النفوذ ومعنى القدرة على التأثير.
فلم تعد القوة تُقاس فقط بما تمتلكه الدول أو القوى المختلفة من سلاح أو أدوات قتال مباشرة، بل بقدرتها على توسيع أثر الصراع خارج الميدان المباشر، فالتأثير في حركة الملاحة، والضغط على الاقتصاد، وإرباك الممرات الحيوية، واستثمار التوتر السياسي بوصفه أداة ردع أو مساومة، كلها باتت عناصر أساسية في معادلة الصراع، وهذا يعني أن الإقليم لم يعد يدار بمنطق الجبهات المنعزلة، بل بمنطق الشبكة المتصلة، حيث تؤثر العقدة الواحدة في بقية العقد.
غزة بوصفها مركز اختبار إقليمي ..
في قلب هذا المشهد، تبرز غزة بوصفها أكثر من مجرد ساحة حرب، لقد تحولت إلى مركز اختبار حقيقي لعدة مستويات في آن واحد: مستوى القوة العسكرية، ومستوى التحمل الإنساني، ومستوى فاعلية الوساطات، ومستوى قدرة النظام الإقليمي والدولي على التعامل مع أزمة تتجاوز حدودها الجغرافية الضيقة، والحقيقة أن ما كشفته الحرب في غزة لا يتعلق فقط بحجم الكارثة الإنسانية أو بمدى العنف الميداني، بل يتعلق أيضًا بإفلاس فكرة أن إدارة الصراع تكفي دائمًا لمنع الانفجار الكبير.
لقد أظهرت هذه الحرب أن الملفات المؤجلة لا تبقى مجمدة إلى الأبد، وأن تجاهل جذور الأزمات لا يلغيها، بل قد يجعل انفجارها أكثر قسوة حين يحدث، كما كشفت أن أي مقاربة تنظر إلى القضية من زاوية أمنية بحتة أو من زاوية إنسانية مبتورة، ستظل عاجزة عن إنتاج استقرار فعلي، ذلك أن غزة لم تعد مجرد ملف محلي أو ساحة مغلقة، بل أصبحت مرآة لاختلالات أوسع تتعلق بتوازنات الإقليم، وبموقع الفاعلين الدوليين، وبحدود فعالية القانون والوساطة والردع.
من الجبهات المنفصلة إلى الساحات المترابطة ..
من أبرز ما يميز المرحلة الحالية أن الساحات المختلفة لم تعد منفصلة كما كانت تُقدّم في التحليلات التقليدية، فالتوتر في غزة لم يبق محصورًا داخل نطاقه المباشر، بل تردد صداه في أكثر من جبهة، وظهر أثره في حسابات الفاعلين الإقليميين، وفي طبيعة الاصطفافات، وفي لغة الرسائل المتبادلة، وهذا يعني أن الشرق الأوسط بات يعيش حالة ترابط استراتيجي متزايد بين أزماته، بحيث يصبح من الصعب فهم تطور في ساحة بعينها دون ربطه بالسياق الأوسع.
هذا الترابط يرفع بطبيعة الحال من مستوى المخاطر، فحين تتعدد الجبهات وتتشابك المصالح والحسابات، يصبح هامش الخطأ أكبر، وتصبح احتمالات سوء التقدير أكثر حضورًا، وقد لا تكون الأطراف راغبة فعلًا في الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، لكن المشكلة أن بيئة الاشتباك المفتوح والموزع قد تقود أحيانًا إلى نتائج لم تكن ضمن الحسابات الأصلية لأي طرف، ومن هنا تنبع خطورة المرحلة: ليس من وجود نية حتمية للحرب الكبرى، بل من تراجع القدرة على ضمان عدم الانزلاق إليها.
الردع في صورته الجديدة ..
إحدى السمات اللافتة في المشهد الراهن أن مفهوم الردع نفسه لم يعد يعمل بالطريقة التقليدية، ففي مراحل سابقة، كان الردع يقوم على إقناع الطرف المقابل بأن كلفة الفعل ستكون أعلى من عائده، بما يؤدي إلى منعه من المبادرة أصلًا، أما اليوم فيبدو أن الردع في الشرق الأوسط تحول في كثير من الحالات إلى إدارة لحجم الاشتباك لا إلى منعه، بمعنى أن الأطراف لم تعد دائمًا تمنع بعضها من الفعل، لكنها تسعى إلى ضبط سقف الفعل، وتحديد نطاقه، ومنع توسعه إلى مستويات أشد اتساعًا.
وهذا تطور بالغ الأهمية، لأن الردع حين يفقد وظيفته الأصلية بوصفه مانعًا للتصعيد، ويتحول فقط إلى أداة لتنظيم التصعيد، فإن الإقليم يصبح عمليًا داخل حالة اشتباك مزمن منخفض أو متوسط الوتيرة، لكنه قابل في كل لحظة للارتفاع المفاجئ، وهذا بالضبط ما يجعل المنطقة تبدو وكأنها تتحرك فوق سطح شديد السخونة: لا انهيار شامل وقع بعد، لكن أسباب الانفجار لم تعد بعيدة.
الاقتصاد لم يعد خارج المعركة ..
في النسخ القديمة من صراعات المنطقة، كان الاقتصاد يتأثر بما يجري، لكنه لم يكن دائمًا جزءًا مباشرًا من أدوات الصراع نفسها، أما اليوم فقد أصبح الاقتصاد في صلب المعادلة، فالممرات البحرية، والطاقة، وأسعار الشحن، والثقة الاستثمارية، وكلفة التأمين، واستقرار الأسواق، كلها تحولت إلى عناصر متداخلة مع التصعيد السياسي والعسكري، وهذا التحول يجعل أثر الأزمات الإقليمية أبعد من حدود الجغرافيا المحلية.
إن تهديد الملاحة أو اضطراب طرق التجارة أو ارتفاع منسوب المخاطر حول نقاط عبور استراتيجية، لا يُقرأ فقط بوصفه تطورًا أمنيًا، بل بوصفه رسالة ذات طبيعة اقتصادية عالمية أيضًا، وهذا يعني أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد مسرح أزمات تخص دوله وحدها، بل بات قادرًا على تصدير القلق إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وبذلك لم تعد الجغرافيا السياسية منفصلة عن الجغرافيا الاقتصادية، بل اندمج الاثنان في معادلة واحدة أكثر تعقيدًا.
تراجع الاستقرار التقليدي ..
التحول الأعمق ربما يتمثل في أن الإقليم لم يعد يسير نحو استقرار حقيقي بالمعنى المعروف، بل نحو نمط جديد من التعايش القسري مع اللااستقرار، فلا تبدو المنطقة متجهة في المدى المنظور إلى تسوية كبرى تنهي الملفات المتفجرة، كما أنها في الوقت نفسه لا تبدو متجهة بالضرورة إلى حرب شاملة مستمرة بلا توقف، ما يتشكل هو مساحة وسطى مضطربة: تهدئات مؤقتة، انفجارات موضعية، رسائل ردع، اختبارات قوة، ووساطات لا تعالج الجذور بقدر ما تؤجل الانفجار التالي.
إن هذا النمط من “اللاحسم” قد يكون أخطر من الحسم أحيانًا، لأنه يخلق وهمًا بالسيطرة على المشهد، بينما تظل عناصر التفجر قائمة تحت السطح، فالإقليم الذي يتكيف مع الأزمات بدل أن يحلها، يتحول تدريجيًا إلى فضاء مفتوح لتكرار الصدمات، ومع كل جولة جديدة، تتآكل الثقة أكثر، وتزداد الكلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية، وتصبح العودة إلى نقطة التوازن السابقة أصعب بكثير.
تحولات النفوذ وإعادة التموضع ..
وإذا كانت الحروب والتوترات تمثل الوجه الأكثر وضوحًا للأزمة، فإن الوجه الأقل ظهورًا لكنه لا يقل أهمية حيث إنه قد يتمثل في إعادة تشكيل النفوذ داخل الإقليم، فالقوى المحلية والإقليمية والدولية تعيد تموضعها باستمرار في ضوء ما يجري، فإن بعض الأطراف يسعى إلى توسيع هامش تأثيره، وبعضها يحاول تثبيت معادلات جديدة، وبعضها يعمل على منع خصومه من تحويل الاضطراب إلى مكاسب استراتيجية دائمة.
ومن هنا، فإن ما يجري ليس مجرد صدامات آنية، بل عملية بطيئة ومتراكمة لإعادة رسم حدود القوة والفاعلية، إن النفوذ في الشرق الأوسط لم يعد قائمًا على السيطرة المباشرة وحدها، بل على القدرة على التأثير في إيقاع الأزمات، وفي توقيتات التهدئة، وفي طبيعة الوساطات، وفي كلفة الخيارات المطروحة على الآخرين، لذلك فإن سؤال “من الأقوى؟” لم يعد كافيًا وحده، بل بات الأهم هو: من ينجح في تحويل الاضطراب إلى أوراق قوة سياسية واستراتيجية؟
الحاجة إلى قراءة عقلانية ..
المشكلة في كثير من الخطابات السائدة أنها تسقط سريعًا في التبسيط المخل: إما عبر اختزال المشهد في سردية طرف واحد، أو عبر تفسير كل شيء بمنطق المؤامرة الشاملة، أو عبر التعامل مع كل تصعيد على أنه حدث منفصل بلا جذور، لكن المقاربة الأكثر جدية تقتضي الاعتراف بأن الشرق الأوسط يعيش أزمة مركبة تتداخل فيها عدة عوامل: نزاعات تاريخية غير محلولة، وهشاشة في بعض بنى الدول، وتصاعد في منطق القوة الوقائية، واتساع دور الفاعلين المسلحين خارج الدولة، وتزايد أهمية الاقتصاد والممرات الحيوية في معادلة الصراع.
التحليل الرصين لا يحتاج إلى الانحياز لكي يكون واضحًا، ولا إلى المبالغة لكي يكون مؤثرًا، بل إن أكثر ما تحتاجه المنطقة اليوم هو خطاب سياسي وفكري يقرأ الواقع كما هو، لا كما ترغب الأطراف المختلفة في تسويقه، وهذا يقتضي قدرًا كبيرًا من الحذر المهني، والابتعاد عن لغة الاتهام غير الموثق، والتمييز بين الوقائع والتحليلات، وبين الرأي والخبر، وبين النقد المشروع والعبارات التي قد تتحول إلى اصطفاف غير مقصود.
وفي الختام…
إن الشرق الأوسط لا يمر اليوم بعاصفة عابرة، بل بلحظة إعادة تشكل عميقة، ما يبدو على السطح تصعيدًا عسكريًا أو توترًا أمنيًا، يخفي في العمق تحولات أكبر تمس بنية الإقليم، وقواعد الردع، ووظيفة التحالفات، وموقع الاقتصاد، وحدود النفوذ، ولهذا فإن اختزال ما يجري في مجرد جولات عنف متتابعة يُفقدنا القدرة على فهم الصورة كاملة.
إن المنطقة وبكل وضوح، أمام زمن جديد: زمن تقل فيه اليقينيات، وتزداد فيه السيولة، وتصبح فيه الأزمات أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وليس أخطر ما في هذا الزمن كثرة الانفجارات وحدها، بل احتمال أن يتحول التوتر المستمر إلى حالة اعتياد سياسي واستراتيجي، وعندما تعتاد الأقاليم على السخونة، يصبح الاحتراق احتمالًا أقل إثارة للدهشة، وأكثر قابلية للحدوث، ومن هنا فإن التحدي الحقيقي والأكبر لا يكمن فقط في إطفاء الحرائق الآنية، بل في إدراك أن ما وراء التصعيد ليس مجرد ضجيج ميداني، بل تحولات عميقة تعيد تشكيل الشرق الأوسط أمام أنظار الجميع.



