الكاتب : عيسى قراقع
ليست المسافة بين الشاعرين جغرافيا فقط، بين طهران وغزة، بل مسافةٌ رمزية تفصل بين نجمةٍ في سماء الفلسفة وصرخةٍ في قلب الحصار، لكنها في زمن الحرب تختصر أحيانًا إلى لحظةٍ واحدة: لحظة سقوط قنبلة، في تلك اللحظة تصبح المسافة بين شاعرٍ يتأمل الكون وشاعرٍ يكتب بدمه قصيدة يحملها من مذبحة إلى مذبحة.
في هذا الوقت المسلح الذي تشن فيه امريكا الرأسمالية المتوحشة وجنرالات جزيرة العار ابستين والصهيونية الفاشية الدينية حربا على إيران يلتقي شاعرنا الكبير ابن غزة معين بسيسو بشاعر إيران وبلاد فارس العالم الفلكي الموسوعي والفيلسوف عمر الخيام، أنه ليس لقاء بيولوجيا يعبر الزمن، بل هو لقاء الضحية بالضحية، لقاء سياسي جمالي يعبر حدود الموت والجغرافيا والسماء التي تضج بالصواريخ والقاذفات المدمرة.
يجتمع الشاعران على مسافة قرن من الزمن، هناك في نيسابور وهنا في خانيونس، يكتبان قصيدة مشتركة في وجه الابادة، لتصير القصيدة الحرة قنبلة تفجر اليقين الزائف، والاستقصاء والعربدة التي يستند إليها الاستعمار الاحلالي، في حربه الهمجية على الإنسان والرواية.
اذا كان الخيام قد كتب رباعياته الشهيرة في زمن الغزو السلجوقي التركي لبلاد فارس، وغنى للحياة والحرية الفكرية والثقافية، فإن معين بسيسو قد كتب قصائده في زمن النكبة والتهجير والمقاومة، وكما وصفه محمود درويش كان يضع توقيعه على كل مكان، ويغرس شجرة، ويترجم غزة إلى أكبر عدد من اللغات، وهذا ما فعله الخيام الذي ترجم إيران بلغة الشعر والحكمة حتى دخلت أشعاره وتأملاته كل بيت وكل جامعة ومدرسة.
عمر الخيام كان ينظر إلى السماء ليفهم نظام الكون، و كان يرى في حركة الكواكب دقةً رياضيةً تُشعر الإنسان بصغره أمام اتساع الوجود، وقد هدمت افكاره البلادة والانغلاق والأنظمة الظلامية، واطلق حرية الروح والعقل والمصير والارادة، اما معين بسيسو فكان ينظر إلى الأرض، إلى المدن التي تدمر وإلى الإنسان الذي يحاول أن يحفظ كرامته تحت ثقل القهر والظلم واللجوء صارخا: سأقاوم كل الذين باعوا واشتروا خلخال غزة، والذين حطموا مرآة غزة، سلاحي قصيدة تبحث عن أرض وجريدة، كان بين الشاعرين مسافة رؤية: الأول يسأل عن معنى الحياة في ظل تدمير بلاده وإحراق كتبه وقتل زملائه العلماء واجداده الروحيين، والثاني يسأل عن معنى العدالة في عالمٍ ضيق تتحكم به قوى الاستعمار والهيمنة لتمحو الإنسان من المعنى والخريطة والكرامة.
الشاعران على حدود فلسطين وفي ساحة واحدة، يرفضان الخضوع والاستسلام، أحدهما يكتب القصيدة في المعركة صارخا: اضرب الأرض حتى ينفجر الماء، والاخر يبحث عن جمال الطبيعة في الخراب والنفوس المحطمة، ويحلم بقبر تنتشر حوله الازهار كل ربيع، الحياة تستمر والجمال يولد من الرماد.
من غزة إلى طهران، شاعران يكتبان اغنية الانسان، وكلاهما في حجرة التعذيب، وكلاهما يواجهان نفس السجان، الزنازين والاعدامات والتوحش الصهيوني في كل مكان، ومن النيل إلى الفرات وحتى أسطورة الميعاد والشرق الأوسط الجديد، أنهم يقتلون التاريخ والحضارات والعلوم الانسانية، وينعفون النفط في وجوهنا هنا وهناك، طائرات في سماء القصيدة، لا بيت لمعين بسيسو في غزة، ولا مرصد للفلك لعمر الخيام في أصفهان.
عمر الخيام في غزة، يقول: يزداد حيرة قلبي كل داجية، والدمع حولي مثل الدر مسكوب، عندما رأى كيف تمحى عائلات بأكملها من السجل المدني، وحين يقتل العلماء والأطباء والشعراء والأكاديميون والفنانون في هذه المقتلة المخيفة، وقد عثر في القدس على قطعة فخارية كتب عليها ابيات من رباعيات الخيام بالفارسية، هذا الاكتشاف يذكرنا أن فلسطين كانت دائما جزءا من فضاء ثقافي وحضاري اوسع، الفكر والمعرفة تعبران الحدود حتى عندما تغلقها السياسات الاستعمارية.
شاعران مطاردان في الشوارع والمنافي والبحار والسجون، قراصنة وقذائف ومدمرات وكل انواع الاسلحة، شاعران تحت أطنان الاسمنت، ومن أصفهان إلى القدس يموتان خلف خطوط الضوء، وراء خطوط الصوت، أنهم يطفئون فم القمر، يقول معين وهو يتلفت إلى عمر الخيام المشغول بتفكيك مكعبات الأرض العربية في منطق الهندسة الجبرية الأمريكية، قواعد عسكرية على باب القصيدة، رائحة بارود وكاز ولغة عبرية.
يبحث معين بسيسو عن اصدقائه واشعاره تحت الركام، لا احد هنا، قتل سليم النفار وهبة ابو الندى وعمر ابو شاويش ومحاسن الخطيب ورفعت العرعير والكثيرون، ودمرت المكتبة والكتاب ومواقع التراث، الموت ياتيك من الجهات الأربع، وعليك أن تحصي اضلعك، يقول بسيسو، وتعرف أن الصمت ذا الأشواك من شيم العرب، ولازال عمر الخيام يبحث تحت أنقاض طهران عن جثث اصدقائه العلماء: ابن سينا والرازي وابن حيان، أنها حرب على الثقافة والمعرفة والاخلاق، أخذ الغرب علومنا وأرسلوها قنابل لنا، أسسوا معسكرات غوانتنامو وسدي تيمان، واجهزة الشاباك والسافاك، في زمن قيم حقوق الإنسان والقانون الدولي واللغات المزدوجة.
يعتبر الخيام رائد الهندسة التحليلية قبل ديكارت، واول من استخدم كلمة شيء للدلالة على العدد المجهول، وأنه ساهم في وضع أسس الحضارة الاوروبية، وهو الآن يكتشف أن هؤلاء المستعمرون الأوروبيون قد حولوا البشر إلى أرقام أو مجرد اشياء أو جثث مجردة من انسانيتها تتبعثر في الغبار الى أشلاء متناثرة في قبور مجهولة والى عدم.
إرث الخيام يقول إن الحضارة الإسلامية الفارسية العربية كانت دائما منارة للتقدم، وساهمت في انقاذ من عبدوا الجثث في العصور المظلمة، وتفننوا في التعذيب والقتل والسلخ حتى صارت مسرحا للفرجة، من هؤلاء الذين يعيشون داخل صاروخ ودبابة؟ يسأل معين بسيسو وهو يصرخ وامعتصماه، غزة صارت ملكة عصر الصمت، لا وزن، لا قافية للموت، كنا نتنقل من نيسابور إلى أصفهان إلى القدس الى سمرقند، والان لا نستطيع التنقل بين قريتين وحاجزين وجنازتين، السماء العربية مشوقة إلى نصفين.
لكن الحرب تجمعهما في سؤال واحد:
عندما تسقط القنابل، لا تُقتل الأجساد فقط، بل تُستهدف أيضًا العقول التي تضيء الظلام، فالحرب الحديثة لا تخاف من الجيوش وحدها؛ إنها تخاف من العلماء، من الشعراء، من المعلمين، من كل من يحمل فكرةً قادرة على أن تعيد ترتيب العالم، ولذلك يصبح اغتيال العالِم محاولةً لإطفاء نجمة، وتدمير المكتبة محاولةً لإسكات ذاكرة، وقتل الشاعر محاولةً لدفن صوت الإنسان.
ماذا هذا الغرب المتوحش الذي يحول الإنسانية إلى بلدوزرات ومستوطنات، إذن لابد للقصيدة أن تتحول الى طائرات، وان تدخل الخندق، لابد لفلسطين أن تبحث عن عمر الخيام في إيران وتقطع شعرة معاوية.
بين الخيام وبسيسو مسافة قصيدة في قنبلة:
قصيدة تحاول أن تفهم العالم، وقنبلة تحاول أن تدمّره، لكن السؤال الذي يبقى معلقًا فوق الحروب كلها هو: هل يستطيع الإنسان أن يتعلم من الشعر أكثر مما يتعلم من السلاح؟
ذلك السؤال هو ما يجعل الثقافة ضرورة أخلاقية، لا ترفًا فكريًا. فحين يُقتل العلماء ويُطارد الشعراء وتُحاصر الكتب، لا يكون المستهدف شعبًا واحدًا فقط، بل فكرة الإنسان نفسها.
ربما لو اجتمع الخيام وبسيسو في لحظة تأمل أخيرة، لقالا معًا جملة واحدة تختصر المأساة:
إن أخطر ما في الحرب أنها لا تقتل البشر فقط، بل تحاول قتل المعنى الذي يجعلهم بشرًا.
ما دام دم الشاعر مهدورا
نحن جميعا من غير اياد
نحن جميعا من غير وجوه



